«ضحايا الظلال الرقمية»: كيف يعيد التضليل عبر الشاشات تشكيل سلوك الأطفال ومصائر النساء في الحرب
الخرطوم: الوجهة 24
أصبح التضليل الرقمي في الحرب المستمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، سلاحاً غير مرئي يستهدف الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع ممثلة في النساء والأطفال، حيث لا يقتصر أثر المنشورات المضللة والفيديوهات المفبركة وغرف الشائعات المغلقة على تزييف الحقائق فحسب، بل يمتد ليزعزع الاستقرار النفسي للأطفال ويؤثر مباشرة على قرارات المصير والحياة لدى النساء في المناطق المضطربة.
ويتعرض الأطفال لمخاطر جسيمة جراء استهلاك المحتوى المضلل والمرعب، إذ يتسبب التأثر بالفيديوهات المفبركة أو التحديات الرقمية المخيفة ومقاطع النزاعات الحرجة في دخولهم في حالات من الهلع الليلي والاضطرابات النفسية والانعزال الاجتماعي.
كما يميل الأطفال إلى تصدير ما يشاهدونه عبر الشاشات إلى واقعهم المباشر من خلال محاكاة مشاهد العنف أو تصديق الإشاعات وتكرارها، مما يضعف قدرتهم على التمييز بين الحقيقة والخيال وينمي لديهم تشوهاً معرفياً يصور العالم الخارجي كمكان يتعدم فيه الأمان، الأمر الذي ينعكس سلباً على تحصيلهم الدراسي ونموهم السلوكي.
مصائد المعلومات
وتشير الاختصاصية في الطب النفسي الدكتورة الهام أحمد السيد، في حديث للوجهة 24، إلى تزداد خطورة هذا التضليل في بيئات النزاع والأزمات حيث تتحول منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات الرسائل إلى مصايد للمعلومات المغلوطة التي تقود إلى قرارات كارثية تفيض بالألم.
ومع ذلك، تروي “أميرة”، وهي أم فقدت طفلها أثناء محاولة الهروب من الفاشر، تجاربها مع هذا الواقع المرير.
وتؤكد للوجهة 24، أنهم كانوا محاصرين وسط معارك طاحنة عندما ظهرت منشورات وتسجيلات صوتية متداولة في مجموعات التواصل تدعي أن الممر الجنوبي للمدينة آمن تماماً وتدعو العائلات للفرار عبره.
وبتصديق تلك الإشاعات والخروج أمل في النجاة، تفاجأت العائلات بوقوعها في منتصف منطقة اشتباكات عنيفة، ووسط الهلع والرصاص المتطاير تشتت جمعهم وفقدت طفلها ذو السبع سنوات، لتكتشف لاحقاً أن تلك التدوينات كانت تضليلاً هدفه إحداث هلع جماعي، مما جعل التضليل الرقمي سبباً مباشراً في حرمانها من طفلها.
ولا يقتصر هذا الأثر على مناطق النزاع المسلح بل يمتد إلى البيئات المنزلية اليومية، حيث تشير “سارة”، وهي أم لطفلين، إلى أن طفلها البالغ من العمر تسع سنوات بدأ بمتابعة مقاطع مضللة على منصات الفيديو تتحدث عن نهاية العالم وتستعرض شخصيات وهمية مرعبة، ما أدى إلى تحوله من طفل هادئ إلى حالة من الخوف الدائم ورفض النوم بمفرده وإصابته بنوبات هلع عند رؤية الشاشات، مشددة على أن التضليل هنا استهدف عقله ونفسيته بشكل مباشر.
وفي سياق متصل، توضح “ريم” كيف تعرضت لحملة تضليل وتشويه رقمية منظمة عبر حسابات مستعارة نشرت معلومات مغلوطة ومقتطعة عن عائلتها، مما أسفر عن عزلها اجتماعياً وتعريضها لتهديدات أمنية جعلتها تخشى الخروج من منزلها، لتؤكد أن الخوف الذي تزرعه الشاشات لا يقل خطورة عن خوف السلاح.
وتؤكد.الاختصاصية النفسية إلهام، أن التضليل الرقمي تجاوز مفهوم “المعلومات الخاطئة” ليصبح أداة ذات تكلفة بشرية ونفسية باهظة تستوجب بناء وعي إعلامي وحماية رقمية جادة لحماية الفئات الأكثر عرضة لتلك المخاطر.
تؤكد إفادة استشارية الطب النفسي أن حماية الأطفال من ظلال التضليل والمحتوى الرقمي المرعب تبدأ من تفكيك البيئة التي تستغل هشاشتهم النفسية، إذ توضح أن عقل الطفل في مراحل نموه الأولى لا يمتلك الفلاتر الإدراكية الكافية للتمييز بين الواقع والمحتوى المصنوع لغايات التضليل أو التفزيع، مما يجعل تعريضه المباشر للمشاهد المفبركة أو غرف الشائعات بمثابة صدمة نفسية مباشرة تُدخل جهازه العصبي في حالة تيقظ ودفاع مستمرين.
وترى إلهام، أن العلاج والوقاية يتطلبان الانتقال من سياسة المنع القسري إلى سياسة التأطير الواعي والاحتواء النفسي، حيث يجب على الوالدين أن يكونا الملاذ الآمن والوسيط الناقد لما يستقبله الطفل، مع ضرورة بناء مساحات آمنة داخل الأسرة تتيح للأطفال التعبير عن مخاوفهم الرقمية دون خوف من العقاب أو الحرمان من الأجهزة.
وأوصت إلهام، بفكرة التدريب الرقمي وتدريب الأطفال تدريجياً على التفكير الناقد من خلال طرح أسئلة تبسيطية حول ما يشاهدونه عبر الشاشات.
كما شددت على فرض الرقابة الأبوية واستخدام أدوات التصفح الآمن وذلك بتفعيل أدوات التحكم الأبوي وتصفية المحتوى على المنصات الرقمية لتجنب وصول الأطفال إلى غرف الشائعات أو الفيديوهات المرعبة والدموية، لا سيما في أوقات النزاعات والأزمات.