إلى القائد كيكل.. اغرِس السيف في جبهة الصحراء إلى أن يُجيب العدم
عزمي عبد الرازق يكتب…
نهاية الأسبوع الماضي مررتُ بوسط الخرطوم، فرأيت لافتة معلقة لقيادة «درع السودان». حدّقتُ فيها بلا وجه، وغمرتني صور وحكايات أعرفها من ندبة في القلب، فجأة أطلَّ صوت من خلف المباني الشاهقة يدعوني: “تفضل.. ربما لديك رحِم قابع في الداخل يتعيّن عليك بِرُّه”. صرفتُه وغادرت، وأنا لا أعرف كيف أواجه كل هذه التضحيات، والمعارك العظيمة، وصور الشهداء، والإحساس بالتقصير تجاههم. فقد وهبوا أنفسهم لحماية المدن والقرى التي تنام على ضفة النيل، صفهم كما تشاء، أطباء ومهندسين ومحامين وأساتذة وتجار، أدركوا حين حمي الوطيس أن الوطن يناديهم، وأنهم جنود، والمعركة لا تحتمل الحياد.
وهي الصدفة نفسها، أو لنسمِّها الأزمة التي انسلَّ منها (درع السودان)، وما القائد أبو عاقلة إلا نبضٌ في هذا المخاض.
صحيح أن «عرضة الصقرية» التي برع فيها أهلنا هنالك ضربٌ من الخيلاء، لكنها كانت تدريباً على مواجهة الأعداء، وقد رآه جدنا الحاردلو رأي العين منذها : «شوفْ عيني الصقير بي جناحو كفت الفرّة… تلقاها أم خدود الليلة مرقتْ برّه». ومرقت برّه لتودع فرسان متحركات السهول والبوادي الذين وثبوا من أمّ القرى إلى تخوم كردفان.
توغلت في وضح النهار برفقة أصدقاء، فوجدتُ المكان يضج بالناس، ضباط وجنود ووفود من كل الولايات، ينتظرون شارة الدخول، وبنهاية اليوم يكونون قد انتظموا في وحداتهم، أما أجواء المعركة فهى حاضرة، والقائد يتابع التفاصيل بحرص، والاستعداد قائمٌ للقتال دفاعاً عن الأرض. هم يدركون أن الحرب لم تنتهِ، وأن العدوّ لا يزال يتربص بنا الدوائر، تحدثتُ إليهم، فلم ألمس ضعفاً ولا تنازعاً، أكثر ما يميزهم الروح القومية، لأن معركتهم بالمخاوف الشخصية كان ينبغي لها أن تتوقف في سوبا، لكنهم قرروا المواصلة، لنداء الواجب، وبالكاد تشغلهم مطامع السلطة أو قسمة الثروة، تحديداً في هذه المرحلة، وأقرب السيناريوهات أنهم سيلقون السلاح بمجرد انتهاء المهمة، وينصرفون إلى حياتهم الطبيعية. وبالتالي لا خطر منهم، وهذا ما ينبغي أن تفهمه قيادة الدولة، التي لا أعرف لماذا لا تعين هذا الدرع بكل ما يحتاجه، وهي في أمسّ الحاجة إلى قوة ضاربة لا يعرف الخوف إلى معقلها سبيلا.
ربما لا يصدّق كثيرون أن “درع السودان” تداعى لمعركة الكرامة طوعاً، وحمل عبء التجهيز، وأن آلاف من جنوده تنازلوا عن رواتبهم. والحقيقة أن الكثير من الرجال يتولون تدابير الصرف المالي حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا، تلمس فيهم الصدق والتجرّد والعفّة والشجاعة، والتقدير الكبير لقائدهم، ومع ذلك يتعرضون لحملات شيطنة مفتعلة وترصد مفضوح.
ثمة ضباط من الجيش وجهاز المخابرات يعاونون الدرع في التدريب والتخطيط، وقائدهم قادر على أن يحشد من كل بيت فارسا وصنديدا، حيث توفرت الثقة وانكسر حاجز الخوف، في الحقيقة ليس ثمة خوف البتّة، وقد ثاروا ولن يخسروا سوى الأغلال.
دار الحديث عن المعارك الأخيرة في بارا وأمّ سيالا وما هو قادم أيضاً، كلها بشارات وانتصارات بإذن الله، جميعهم تحت مظلة الجيش، وضمن خطة هيئة الأركان، في منتهى الانضباط، وكل من يأخذ أمر تحركه عازمٌ على بلوغ مرماه، كأن صغيرهم قبل كبيرهم يريد أن «يغرس السيف في جبهة الصحراء إلى أن يجيب العدم» كما أنشد أمل دنقل.
يطلّ عزام كيكل، شهيد الدرع، ومعه مئات الشهداء، لا أحد ينوح في الطرقات وهو الفقد الجلل، إذ أن البكاء على الفوارس عار، وإن مات عزام أو محمد الهادي أو العميد ركن أحمد شاع الدين، فللبيت ربٌ وللطفل أبٌ، والمسيرة ماضية، وهنا تحديداً استيقظ كاسر البطانة، وأيقظ المناطق من حوله، وليس من مصلحة أحد أن يتجاهله، أو يحاول التخلص منه لأسباب سياسية، لأن المعركة لم تنته والعدو يحشد، وبلادنا مطمع كل بعيد وقريب، ويجب أن يشعر الناس في الجزيرة والنيل الأبيض وكسلا والساحل وكردفان ودارفور والشمالية أننا شركاء في هذا الوطن، نحبه ونذود عنه، ولا مجال لإقصاء أحد.