“ممر طاقة القرن الأفريقي”.. مشروع استراتيجي يعزز السيادة الطاقية لجيبوتي وإثيوبيا
كتب- شريف ربيع
منطقة القرن الأفريقي تخطو خطا حثيثة نحو بدء مرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي؛ من خلال إطلاق مشروع “ممر طاقة القرن الأفريقي” الذي يربط جيبوتي وإثيوبيا بشبكة متطورة للإمدادات النفطية؛ وهو ما يعد تحركا استراتيجيا كبيرا داخل المنطقة.
يتزامن هذا المشروع مع تصاعد التوترات الجيوسياسية العالمية والإقليمية؛ ما يفرض على دول المنطقة السعي لتأمين احتياجاتها الحيوية وامتلاك مقدراتها الطاقية بعيدًا عن الاعتماد على سلاسل التوريد التقليدية المهددة بالاضطرابات في كل حين.
بناء على ذلك شهدت مدينة دامر جوك الساحلية في دولة جيبوتي خلال الأسبوع الجاري مراسم وضع حجر الأساس للمشروع؛ حضرها رئيس جيبوتي إسماعيل عمر جيله، ورئيس وزراء إثيوبيا آبي احمد، ورجل الأعمال النيجيري أليكو دانغوتي.
“ممر الطاقة” هذا يحول القارة السمراء من مجرد مستهلك للوقود إلى لاعب أساسي في معادلة سيادة الطاقة العالمية، وستلعب جيبوتي دور القاعدة اللوجستية المركزية للمشروع؛ وهذا يمنحها بالطبع ميزة تنافسية كبرى بصفتها مركز إقليمي للطاقة في المنطقة.
وستكون إثيوبيا المستفيد الأكبر منه بخصوص خفض تكاليف الاستيراد، وتسريع سلاسل التوريد التي كانت تعتمد لسنوات طويلة على النقل البري المكلف والمحفوف بالمخاطر لا سيما مع تصاعد القتال بين الحكومة الحالية والجبهات المعارضة لها.
تتضمن المرحلة الأولى من المشروع إنشاء محطة متطورة لتخزين المنتجات النفطية باستثمارات تبلغ قيمتها نحو 160 مليون دولار، وبطاقة استيعابية تبلغ 375 ألف متر مكعب. هذه المنشآت ستخفف الضغط مباشرة عن الموانئ التقليدية، وستوفر بيئة أكثر استدامة لتخزين الوقود. وستشمل المرحلة الثانية مد خط أنابيب طوله 760 كيلومترا لنقل النفط والغاز من حوض أوجادين الإثيوبي إلى سواحل جيبوتي؛ وهذا بطبيعةرالحال سيفتح آفاقا جديدة للتصدير نحو الأسواق العالمية.
لا يقتصر المشروع على ذلك فحسب، بل إن له أبعادا اقتصادية ولوجستية فأديس أبابا تعاني الآن من ضغوط كبيرة بسبب اعتمادها على ميناء “دوراليه” حيث يُنقل الوقود عبر أسطول شاحنات كبير يوميا يتجاوز 350 شاحنة؛ وتلك الطريقة لا ترفع التكاليف فحسب بل تستنزف وقتا طويلا أيضا يصل إلى خمسة أيام للرحلة الواحدة، في حين ستتقلص هذه المدة عبر خط الأنابيب الجديد إلى يوم واحد فقط. هذا التحول النوعي سيعزز كفاءة النقل، وستقل معه نسبة الحوادث والمخاطر الأمنية المرتبطة بالنقل البري المكثف.
أضف إلى ذلك أن مشروع ممر الطاقة الجديد يتجاوز البعد التجاري وسيصبح أداة لتعزيز السيادة الطاقية والجيوسياسية لجيبوتي وإثيوبيا على حد سواء. علاوة على أن هذا الربط سيكون بمثابة صمام أمان ضد التقلبات في ممرات الملاحة الدولية كالبحر الأحمر وما يحدث فيه الآن، وسيكون ضمانة لاستدامة تدفق الطاقة رغم التحديات الإقليمية والدولية الحالية.