حرب المسميات ومعركة السردية: التحيز الإعلامي وصناعة المعنى في التغطية الصحفية للحرب على غزة
حرب المسميات ومعركة السردية: التحيز الإعلامي وصناعة المعنى في التغطية الصحفية للحرب على غزة
د_عبدالله محمد أطبيقه
قسم الإعلام جامعة سرت دولة ليبيا
لم تعد الحروب والمعارك الحديثة تُحسم بمدى فاعلية العتاد العسكري على الأرض فحسب، بل باتت تُدار في أروقة وغرف أخبار المؤسسات الإعلامية العالمية بنفس القدر من التأثير، وفي التغطية الإعلامية للحرب على غزة، برزت حرب المصطلحات كأحد أبرز مظاهر التحيز الإعلامي، حيث لم تكن اللغة مجرد أداة محايدة لنقل الأحداث، بل وسيلة صريحة لتشكيل الرأي العام العالمي وتوجيه التعاطف الإنساني والسياسي.
هندسة اللغة: كيف تقتل المصطلحات الحياد الصحفي؟
عند مقارنة التغطيات الإخبارية بين المؤسسات الغربية الكبرى ووسائل الإعلام المستقلة أو العربية، يظهر بوضوح استخدام تأطير لغوي يحمل دلالات أخلاقية وسياسية متباينة للأحداث نفسها:
الفعل العنيف وقواعد المبني للمجهول: غالباً ما تُستخدم صيغة المجهول للحديث عن الضحايا الفلسطينيين (مثل: “مقتل العشرات في غزة”، أو “وفاة أطفال بسبب القصف” بدون تحديد الفاعل)، بينما تُستخدم صيغة المعلوم المباشرة والقاطعة عند الحديث عن الخسائر الإسرائيلية (مثل: “قتلت حركة حماس”).
التأطير الأخلاقي للموت: يبرز التحيز الانتقائي في التسميات؛ حيث يُوصف الضحايا من الطرف الأول بـ “القتلى أو القتلى المدنيين” كضحايا للعنف المباشر، بينما يُشار إلى الضحايا في الطرف الآخر بـ “المتوفين” أو كـ “أضرار جانبية ” ناجمة عن العمليات العسكرية.
دلالات المصطلحات: يُستبدل مصطلح “الاحتلال” بـ “النزاع” أو “الأزمة” لتقليل البُعد القانوني والتاريخي للصراع، وتحويل المشهد من قضية تحرر وطني وحقوق إنسانية إلى مجرد مواجهة أمنية بين طرفين متكافئين.
ازدواجية المعايير والأطر المرجعية
يظهر التحيز الإعلامي جلياً عند وضع التغطية الإخبارية للحرب على غزة في مقارنة مباشرة مع أزمات صراع أخرى حديثة (مثل الحرب في أوكرانيا):
شرعية المقاومة مقابل الإرهاب: في الوقت الذي يُحتفى فيه بالدفاع عن الأرض والأنشطة الشعبية المسلحة في صراعات أخرى كـ “نضال مشروع من أجل الحرية”، تُؤطر أي أفعال مماثلة في السياق الفلسطيني حصراً تحت بند “الإرهاب”، مما يجرد الضحايا من حقهم القانوني والدولي في مقاومة الاحتلال.
التعاطف الإنساني وتنسيق المشاعر: تركز التغطيات الموجهة على تقديم قصص إنسانية متكاملة ومفصلة لضحايا طرف معين لإبراز ملامحهم الإنسانية ، في حين يُتعامل مع الضحايا الفلسطينيين كأرقام وإحصائيات مجردة تُسرد بسرعة في نهاية النشرات الإخبارية.
التدقيق المشروط وحجب السياق التاريخي
تتجلى إحدى أخطر صور التحيز الإعلامي في “اقتطاع السياق”
البداية الافتراضية للقصة: تبدأ معظم التغطيات الغربية سرديتها من لحظة اندلاع الشرارة الأخيرة أو الهجوم المباشر، مع تجاهل تام لعقود من الحصار المقرون بالانتهاكات اليومية والاستيطان والتهجير، ويجعل هذا الاقتطاع من رد الفعل الفلسطيني يبدو وكأنه “حدث مجرد وغير مبرر” وليس امتداداً لسياق تاريخي متراكم.
المطالبة بالإدانة المشروطة: يُلزم الصحفيون والمحللون العرب أو الفلسطينيون عبر مقابلاتهم بإدانة جانب واحد كشرط أساسي مسبق لمنحهم مساحة للحديث، وهو معيار لا يُفرض على الجهات والأطراف المقابلة.
شبكات التواصل الاجتماعي والسردية البديلة
أدى هذا الانحياز الملموس في وسائل الإعلام التقليدية إلى تحول كبير نحو منصات التواصل الاجتماعي:
إعلام المواطن: أصبح الناشطون والصحفيون الميدانيون في غزة المصدر الأول لنقل الصورة الحية دون فلترة أو معالجة تحيزية، مما أحدث خرقاً جاداً في السردية التي حاولت وسائل الإعلام التقليدية فرضها.
التضييق الرقمي: لم تسلم المنصات الرقمية بدورها من التحيز؛ حيث واجه المحتوى الفلسطيني تقييداً للوصول وحجباً للكلمات المفتاحية عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي، مما أثبت أن حرب المصطلحات امتدت من شاشات التلفزيون إلى الفضاء الرقمي.
إن التغطية الإعلامية للحرب على غزة لم تكن مجرد ممارسة صحفية قَصُر فيها الحياد، بل كانت مسرحاً لمعركة لغوية وسياسية صريحة، وإن اختيار كلمة وتغليب مصطلح على آخر ليس خطأً صحفياً عابراً، بل هو قرار تحريري يسهم بشكل مباشر في توجيه الضمير العالمي، وتبرير الانتهاكات، أو طمس معاناة الضحايا، ولعل هذه الأزمة قد كشفت الحاجة الماسة لإعادة تعريف “أخلاقيات الصحافة” وإرساء معايير نقل مهنية تتسامى عن النفوذ السياسي وازدواجية المعايير.ا