خطاب البرهان .. رسائل سياسية ودلالات إستراتيجية
تقرير: رشا حسن
في خطابه الأخير الذي ضجت به منصات التواصل الاجتماعي، قطع القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، الطريق أمام المؤتمر الوطني وتنسيقية “تقدم” للعودة إلى الحكم مرة أخرى، مشيرًا إلى أن كل من أراد الكرسي عليه أن يأتي عبر صندوق الانتخابات، في رسالة بدت حاسمة تجاه الطامحين للسلطة من خارج العملية الديمقراطية.
كما سمح البرهان، خلال خطابه أمام المؤتمرين من القوى السياسية الوطنية والمجتمعية، للجميع باستخراج جوازات سفر، معتبرًا ذلك حقًا من حقوقهم، ووجّه الجهات المختصة بإدراج الأسماء المحظورة في النظام ليتمكنوا من استخراج الأوراق الثبوتية والسفر، في خطوة أثارت ردود أفعال واسعة.
رسائل ودلالات
خطاب البرهان حمل عدة رسائل سياسية وإدارية، أبرزها تأكيده على أن الانتخابات هي السبيل الوحيد للوصول إلى السلطة، في موقف يضع خصومه أمام تحدٍ واضح. كما أن قراره بالسماح للجميع باستخراج الوثائق الثبوتية قد يحمل دلالات على محاولته تخفيف حدة التوتر السياسي، وربما استرضاء بعض الفئات المتضررة من قرارات الحظر السابقة.
لكن السؤال الأهم: هل تعكس هذه الخطوة تحولات حقيقية في المشهد السياسي، أم أنها مجرد تكتيك لتهدئة الأوضاع مع اقتراب مرحلة سياسية جديدة؟
“رسائل البرهان”
ويرى المستشار بالأكاديمية العليا للدراسات الاستراتيجية والأمنية، اللواء الدكتور معتصم عبدالقادر، أن أهم رسالة في خطاب البرهان تتمثل في البدء في الترتيب لليوم التالي أو لمستقبل حكم البلاد، مما يعني تيقنه من الانتصار في الحرب، وأن نهايتها في جميع أنحاء البلاد باتت وشيكة، بما في ذلك دارفور، وأن تمرد الدعم السريع قد كُسرت شوكته وشُيّع إلى مثواه الأخير.
وأوضح عبدالقادر في حديثه لـ”الوجهة24″ أن الرسالة الثانية التي أراد البرهان إيصالها هي أن المرحلة المقبلة ستكون وطنية ومجتمعية، حيث يُوكل أمر الحكم فيها إلى كفاءات وطنية مستقلة تعمل على نقل البلاد إلى مرحلة الأمن والاستقرار وإعادة الإعمار.
أما الرسالة الثالثة، فتتمثل في إبلاغ القوى المدنية السياسية بأنها يمكنها تقديم المشورة لدعم الكفاءات الوطنية الانتقالية، لكن دورها السياسي ككل، دون استثناء، سيأتي في مرحلة لاحقة، حيث ستكون مشاركتها في إدارة البلاد عبر الانتخابات.
“مراوغات البرهان”
أما رئيس دائرة الإعلام في حزب الأمة القومي، المصباح أحمد، فيرى أن خطاب البرهان احتوى على نقاط مهمة، بعضها إيجابي، بينما يحمل بعضها الآخر وصاية على الشعب السوداني ومزايدة على القوى السياسية والمدنية الرافضة للحرب والساعية للسلام. وأضاف أن البرهان رجل مراوغ بطبعه، يسعى لأن يكون محور الأحداث والمتحكم في مسارها.
وأشار أحمد، في حديثه لـ”الوجهة24″، إلى أن عناصر المؤتمر الوطني الذين خاطبهم البرهان هم بالفعل مسيطرون على مسار الحرب ومتحكمون في مفاصل الدولة منذ انقلاب 25 أكتوبر، الذي أعادهم إلى السلطة. وأكد أن استهدافهم لقوى الثورة وتحضيرهم للحرب قبل وقوعها دليل واضح على ذلك، موضحًا أن رسالة البرهان للمؤتمر الوطني لم تكن سوى مناورة سياسية لاسترضاء المجتمع الدولي، الذي أبدى قلقه من بروز دور الإسلاميين المتطرفين في الحرب.
وأضاف أن الخطاب كان محاولة من البرهان لإرسال رسائل تطمينية للخارج والداخل، لكن الحقيقة التي لا جدال فيها هي أن الحرب الحالية حرب الإسلاميين بامتياز، وهم أصحاب المصلحة الحقيقية في استمرارها لاستكمال مشروع العودة الكاملة والتمكين عبر شرعية الحرب.
وأوضح أحمد أن الجانب الإيجابي في الخطاب هو إلغاء القرارات الظالمة التي حرمت عددًا كبيرًا من السودانيين من حقوقهم الدستورية، مؤكدًا أنها قرارات سياسية تستوجب المساءلة، وليست محل ثناء، لأنها تخالف كل الدساتير والأعراف. وأضاف أن البرهان مشغول بالسلطة وإدارتها أكثر من إنهاء معاناة السودانيين، مشيرًا إلى أن رفضه لوقف إطلاق النار لأغراض إنسانية دليل واضح على ذلك.
وأكد أن همّ البرهان هو أن يكون محور الأحداث والمتحكم في مصير الوطن، بينما القوى السياسية والمدنية، التي هاجمها وحاول أن يوزع عليها صكوك الغفران، منشغلة بإنهاء الحرب ورفع المعاناة عن المواطنين الأبرياء، الذين قتلتهم الحرب وشردتهم في الداخل والخارج، وما زالت تفتك بهم. وقال إن الأيام أثبتت صحة موقف القوى المدنية، الذي وصفه بالراشد والصحيح.
وأشار إلى أن نتائج الحرب الماثلة أمام الجميع تؤكد أنه لن يكون هناك استقرار إلا عبر الحل السياسي السلمي التفاوضي، لأنه الوحيد الذي يمثل المخرج الآمن للوطن. وناشد البرهان بالتوجه نحو هذا الخيار قبل فوات الأوان، والتركيز على إنهاء معاناة السودانيين.
وطالب بضرورة معالجة آثار الحرب، خاصة الوضع الإنساني، والحفاظ على ما تبقى من مقدرات الوطن، والسير نحو سلام شامل وعادل، واستعادة مسار التحول المدني الديمقراطي الكامل، باعتباره مطلب الشعب السوداني، الذي دفع في سبيله ثمنًا باهظًا. كما شدد على ضرورة أن يعمل البرهان بجدية على فك الارتباط بين الجيش والإسلاميين المتحكمين فيه، حتى تكون المؤسسة العسكرية بعيدة عن الاختراق والسيطرة الحزبية الضارة، وفق تعبيره.
ويرى أحمد أن موقف القوى السياسية والمدنية الرافضة للحرب سيظل ثابتًا، وهو رفض الحرب وعدم الانحياز لأي من طرفيها، والعمل على إنهائها وتحقيق السلام، واستعادة الاستقرار والتحول المدني الديمقراطي، وبناء سودان معافى من عذابات الحروب ومآسي الماضي، قائم على العدالة والمساواة والحرية والسلام والديمقراطية عبر عملية سياسية شاملة.
وأكد أن هذه القوى لن تلتفت إلى المزايدات، ولن تستجيب لأي ابتزاز سياسي، مشددًا على أن الخيار الوطني الراشد سينتصر في نهاية المطاف.