آخر الأخبار
كامل إدريس يبحث ترتيبات تشغيل مفوضية مكافحة الفساد ولادة توأم سيامي نادر بمستشفى بشائر في الخرطوم عودة لنظام (ACD).. عندما تُباع أسرار الدولة في "المنطقة الحرة" بدبي! تجوال فوق اليقظة..! اصطدام صخري ينهي رحلة مهاجرين سودانيين من المغرب ترتيبات لإعادة المركبات لأصحابها بعد الحصر الشامل إنهاء أزمة فصل معلم بقرية ود الكاشف بقرار رسمي من التعليم وزير الرعاية الاجتماعية: عشرات الآلاف من السودانيين أبدوا رغبة في العودة انهيار منجم بوادي حلفا وتحذيرات من دخول المناجم المغلقة سودانيين في قبضة الداخلية المصرية تعيينات جديدة في الهلال المليشيا تغتال مواطنًا رفض الاستسلام لعملية نهب في قريضة يونيسف تدق ناقوس الخطر ضبط" 3 "جرارات مخالفة لنقل الخردة في شرق النيل اتحاد الدراميات السودانيات يحذر إغلاق الأسواق ليلاً بالخرطوم إصابة سائق ناظر عموم الرزيقات بـ20 طعنة في الضعين جولة عسكرية رفيعة في الدمازين لمتابعة الوضع الأمني والعملياتي مفاجأة للممثل المقيم للأمم المتحدة في السودان داخل مدينة الأبيض مظاهرات طلابية حاشدة أمام منزل معلم بقرية ود الكاشف

عودة لنظام (ACD).. عندما تُباع أسرار الدولة في “المنطقة الحرة” بدبي!

عزمي عبد الرازق يكتب…

 

حينما فتحنا ملف شركة “العسجد”، وظنّ البعض أننا نبشنا العش الأخير للفساد، كنتُ أعلم في قرارة نفسي أن الخيوط ممتدة، وأن خلف الأكمة ما خلفها. لم تكن “العسجد” سوى القشرة الخارجية لثمرة جُذُورها تضرب في عمق أرض ملفات أكبر وأشنع، وبالمقابل ثمة ملف هادئ، مرّ أيضاً خلف لافتات برّاقة، يحمل اسماً تكنولوجياً معقداً “نظام إقرار الشحن المسبق (ACD)”.

 

بدأت الحكاية من تساؤل مهني بسيط، طرحته على كثير من المعنيين ولم أجد إجابة مقنعة له، وتحول سريعاً إلى دهشة، ثم إلى صدمة وطنية مروّعة، بالنسبة لي على الأقل.

 

بحثتُ وراء المنصة التي اعتمدتها الجمارك رسمياً، ووراء الشركة التي تمنح هذا الإقرار – بمقابل دولاري بطبيعة الحال – فإذا بي أجد نفسي أمام جدار مائل، شركة غامضة، بلا ملامح واضحة، مقرها في “دبي” تحت اسم (ITR Logistics & Trade)، وتشاركها في إدارة البيانات شركة تركية أخرى. والسؤال الطويل، المركّب، والغير ملولو: كيف تسللت تلك الشركة إلى أحشاء الاقتصاد السوداني؟ وما هى مصلحة الحكومة الحالية في التعاقد معها؟ مع الأخذ في الاعتبار أن للحرب وجوه أخرى، “فكل ما أنبت السودان قناة ركبوا في القناة سِنانا” بتصرف عن المتنبي

 

وقد تعودت دائماً أن لا أسلم عقلي لأي عنوان براق، أو لأي قادم يرتدى كارفتة البنك الدولي، على شاكلة “تحولاً رقمياً” أو “تسهيل إجراءات”، فالجمارك السودانية لم تنطلق من فراغ، ظلت تمارس الرقمنة والسجل القيمي الصارم (Record) منذ سنوات طويلة، وتعرف أسعار القمح والسكر والدواء في البورصات العالمية قبل أن تولد هذه الشركات. المشكلة الحقيقية تكمن في “اختراع” وظيفة وهمية، وتفويضها لشركة أجنبية، ليتحول الأمر إلى أكبر عملية استنزاف مالي وأمني منظّم!

 

تخيلوا.. يدفع المواطن السوداني المنهك ما لا يقل عن 60 مليون دولار سنوياً لمقابلة هذا الإجراء العقيم! في سلع محدودة كالسكر والدقيق فقط، وتطير 14 مليون دولار سنوياً إلى الخارج، بواقع 6 دولارات عن كل طن يدخل البلاد، مقابل “شهادة” لا تُغني عن كشف الجمارك، شهادة وهمية، لا تُعفي من المعاينة داخل الحظيرة، والكاميرات من مقر قيادة الحرب تراقب السفن، وتميز بين التي تحمل أسلحة والتي تحمل وقود أو ملابس، بسبب هذا النظام الرقابي. لأنه الأولى مسجلة عندهم والثانية غير مسجلة، وبداهة يطاردونها بالأقمار الصناعية.

 

الأنكى من ذلك، أن هذا النظام بات يشكل ضغطاً خانقاً على العملة الصعبة، حيث يضطر المستوردون لركوب الصعاب وشراء الدولار من السوق الموازي لسداد الرسوم المقررة للشركة بالخارج، ما يساهم بشكل مباشر في اشتعال أسعار الصرف.

 

لكن خذوا نفسًا عميقاً، فالأخطر ليس ملايين الدولارات المنهوبة، بل هو “الأمن القومي السوداني” الذي يُعرض في مزاد المكاسب الضيقة، إذ أن هذا النظام (ACD) يفتح خزانة أسرار التجارة الخارجية السودانية على مصراعيها – بكل ما تحمله من بيانات حساسة عن السلع الاستراتيجية، الموردين، القيم، وأنماط الاستهلاك – لصالح شركة خاصة لا تخضع عملياً لرقابة الدولة السيادية.

 

بأي منطق أمني أو اقتصادي يُمنح الغرباء حق الاطلاع الحصري على ما يدخل جوف السودانيين من دقيق ودواء، وحتى الشحنات التي تخص الجهات السيادية؟ وكيف نأمن لشركة مقرها في دولة تناصبنا العداء جهاراً نهاراً، وتدعم المليشيا بالأسلحة والمرتزقة لتدمير بلادنا؟! ثم يأتينا مصلح من وراء الخليج “واهب المحار والردى”، ليحدثنا عن التحديث، وهو أسلوب الموساد في الاختراق والسيطرة، فنقول له بلسان السوداني الفصيح: “إصلاح بتاع فنيلتك”!

 

هذا الإجراء، كان بالامكان وببساطة شديدة، أن تقوم عليه وزارة الاتصالات والتحول الرقمي، وأن تُدار البيانات بأيدٍ وطنية، وهنا قد يأتي أحد المستفيدين، وما أكثرهم وأضرهم، ويقول إننا ضد المواكبة، وأقول له” ماذا تعرف عن الخطة ب؟” لأن حربهم العسكرية على السودان فشلت بصورة أو بأخرى.

 

حتى الآن، لم يضف هذا النظام أي جديد يذكر، ولم يحقق أي غاية سوى المماطلة وجرجرة الإجراءات لأيام وأسابيع، وتعقيد حركة الاستيراد. الجمارك السودانية لا تزال تقوم بالكشف والتقييم النهائي بعد وصول الشحنات، ما يعني أن المنصة مجرد “جباية إضافية” وتحويل مورد سيادي للخارج، وأشياء أخرى خطيرة سوف تتكشف للسودانيين شيئاً فشيئا.

 

هناك وجه شبه صارخ، وبصمة متطابقة، بين ملف “العسجد” ونظام (ACD)، فكلاهما محاولة لإعادة هندسة التلاعب بالإيرادات، ونقل الوظائف السيادية للدولة إلى جهات غامضة تتخفى وراء الكواليس، في بيئة مالية محاصرة واقتصاد مثخن بالجراح.

 

وللحديث بقية، وسنُفصّل في الحقائق أكثر بإذن الله.

#السودان #السيادة_الوطنية

قد يعجبك ايضا