التضليل وقطع الشبكات يشعلان “حرباً رقمية” ومخاطر إنسانية متزايدة في دارفور وكردفان
نيالا: الوجهة 24
استحالت الاتصالات الرقمية وشبكات الإنترنت إلى خط مواجهة رئيسي في النزاع المسلح الدائر بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، مما أدخل إقليمي دارفور وكردفان في عزلة عن العالم الخارجي.
وتتعرض شبكات البنية التحتية للاتصالات لموجات متتالية من التخريب العمدي والقصف المستهدف، مما أدى إلى شلل كامل في خدمات الهاتف المحمول والإنترنت في معظم مناطق الإقليمين غربي البلاد.
وتتهم أطراف النزاع بعضها البعض باستخدام خيار قطع الشبكات كأداة حرب حاسمة لمنع التنسيق العسكري الميداني وتقييد حركة المعلومات والاستطلاعات بين خطوط المواجهة المترامية.
ويحذر خبراء وتقارير محلية من أن القطع الممنهج للاتصالات يسهم بشكل مباشر في تفاقم الكارثة الإنسانية، حيث يمنع السكان من الحصول على الإغاثة والإمدادات الطبية الحيوية.
كما تسبب غياب الاتصالات في شلل شبه تام للأنشطة الاقتصادية والتجارية، خاصة تلك التي تعتمد على التحويلات المالية عبر التطبيقات المصرفية الرقمية التي تشكل شريان الحياة الوحيد للمواطنين.
ظلام المعلومات
ويجد السكان المحليون أنفسهم محاصرين داخل ظلام دامس للمعلومات، مما يفسح المجال واسعاً أمام انتشار الشائعات الرائجة والأخبار المفبركة التي تزيد من حدة الذعر بين المدنيين.
وأصبحت منصات التواصل الاجتماعي وغرف الرسائل المغلقة ساحات بديلة لإدارة المعارك الإعلامية، حيث تبث أطراف الصراع محتوى مضللاً لحشد الدعم وصناعة الانتصارات الوهمية.
ويؤكد الدكتور والمحلل السياسي السوداني عبد الباقي عمران أن “الحرب الرقمية في دارفور وكردفان أصبحت لا تقل خطورة عن القصف المدفعي في تعميق الأزمة وتفكيك النسيج الاجتماعي”.
وتتزايد مخاوف المنظمات الحقوقية من استغلال الأطراف المتصارعة لغياب التغطية الرقمية للتستر على الانتهاكات الواسعة والتجاوزات ضد المدنيين بعيداً عن أعين الرقابة الدولية.
ويواجه المدنيون في مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور صعوبات بالغة في الوصول إلى الخدمات الأساسية، في ظل الاعتماد الكامل على وسائل الاتصال الفضائي المحفوفة بالمخاطر والتكلفة.
ويقول محمد آدم، أحد أعيان مدينة نيالا، في إفادة خاصة للوجهة 24: “إن انقطاع الشبكات التام جعلنا نعيش في عزلة قاسية، وفتح الباب على مصراعيه لانتشار شائعات مضللة عن تحركات عسكرية وشيكة”.
ويضيف آدم: “هذه الشائعات الرقمية تتسبب في حالات هلع جماعي وفرار عشوائي للعائلات نحو مناطق غير آمنة، مما أدى لشتات عشرات الأسر وفقدان أطفالها وسط الزحام”.
ويؤكد آدم للوجهة 24 أن “التضليل الرقمي وقطع الاتصالات لم يعد مجرد إزعاج تقني، بل تحول إلى أداة موت بطيء تهدد حياة كل من يتواجد في نيالا والمناطق المجاورة”.
وفي ولاية وسط دارفور، تعاني مدينة زالنجي من التأثيرات المزدوجة للتصعيد العسكري وانعدام خدمات الاتصالات، ما أدى لتوقف تام للأنشطة الإنسانية وتوزيع المساعدات.
ويقول عبد الواحد أحمد عبد الواحد، ناشط مدني في مدينة زالنجي، للوجهة 24: “قطع الشبكات يجبرنا على الاعتماد على شائعات يتداولها أفراد يسعون لتأجير خطوط الثريا بأسعار خيالية”.
ويتابع عبد الواحد: “المعطيات المغلوطة المتداولة عبر المقاطع الصوتية تسهم في تعميق خطابات الكراهية والتحريض القبلي بين المكونات الاجتماعية المتجاورة التي كانت تعيش بسلام”.
ويكمل قائلاً: “التضليل الرقمي يغذّي نار الفتنة القبلية في زالنجي، حيث تنشر الحسابات الوهمية خطابات الكراهية وتلفق الاتهامات للمكونات المحلية دون إمكانية للتحقق”.
وتأثرت الخدمات الصحية في كردفان ودارفور بشدة جراء غياب التواصل بين المستشفيات والكوادر الطبية والمستودعات المركزية لتوفير الأدوية المنقذة للحياة.
وتسعى فرق الإغاثة التابعة للأمم المتحدة لتوفير حلول مؤقتة عبر الاتصالات السلكية والفضائية، إلا أن القيود الأمنية واللوجستية تحول دون تغطية الاحتياجات الواسعة للمجتمعات المحلية.
ويتهم الجيش السوداني قوات الدعم السريع باستهداف أبراج الاتصالات ومحطات التقوية في كردفان بهدف قطع خطوط الإمداد والتواصل بين القيادات العسكرية والوحدات الميدانية.
في المقابل، تتهم قوات الدعم السريع سلاح الجو التابع للجيش بشن غارات على البنية التحتية الرقمية ومقرات شركات الاتصالات في دارفور لفرض حصار إعلامي على الإقليم.
وتؤكد شركة الاتصالات الرئيسية في البلاد أن إعادة الخدمة للمناطق المقطوعة تواجه عقبات أمنية جسيمة وصعوبة في إيصال الوقود وقطع الغيار إلى محطات التوليد.
وأدى انقطاع الخدمات الرقمية إلى ارتفاع صاروخي في أسعار أجهزة الاتصال الفضائي عبر أجهزة “ستارلينك”، والتي أصبحت المح منفذ الوحيد للسكان للاتصال بالخارج.
تخضع نقاط الاتصال الفضائي في الأسواق المحلية لرقابة صارمة من قبل القوات المسلاحة والجماعات المسلحة، مما يجعل مستخدميها عرضة للتفتيش والاعتقال والمصادرة.
ويستغل سماسرة الاتصالات حالة الاختناق الرقمي لفرض رسوم باهظة على الدقيقة الواحدة، مما يحرم الفئات الفقيرة من الاطمئنان على ذويهم في الولايات الأخرى.
وساهم التضليل الرقمي عبر المنصات الاجتماعية في انتشار مقاطع فيديو مفبركة تعود لأحداث قديمة أو مناطق أخرى، واستخدامها لتحريض المجتمعات المحلية ضد بعضها.
ويحذر مراقبون دوليون من أن خطابات الكراهية الممنهجة المرافقة للتضليل الرقمي تسهم في تقويض أي جهود محلية للتهدئة أو وقف إطلاق النار بين الأطراف المتصارعة.
وأيضاً تأثرت شريحة الأطفال والنساء بشكل مباشر من جراء انقطاع الاتصالات، حيث تعذر تقديم الدعم النفسي والرعاية الأولية للضحايا في ظل الظروف العسكرية المعقدة.
تشير التقديرات إلى أن أكثر من ثلثي سكان إقليمي دارفور وكردفان باتوا بلا وسائل اتصال منتظمة، ما أدى لتجريف واسع للأنشطة الاقتصادية غير الرسمية.
ويمتد أثر الحرب الرقمية إلى عرقلة التحويلات المالية المغتربين في الخارج لبنوك السودان، والتي تعتمد عليها ملايين الأسر لتأمين الغذاء اليومي في ظل الأزمة الحالية.
ويعيش آلاف النازحين في معسكرات النزوح الشاملة بدارفور حالة من الضياع التام، لعدم قدرتم على تتبع أخبار أقاربهم المفقودين في مناطق النزاع الملتهبة.
ويوضح باحثون في الإعلام الرقمي للوجهة 24، أن عدم توفر مصادر إخبارية موثوقة ومفتوحة يخلق بيئة خصبة لإعادة تدوير الأخبار المضللة وتصديرها كحقائق مؤكدة.
في وقت تتواصل دعوات المنظمات الحقوقية لضرورة تحييد البنية التحتية للاتصالات واعتبارها خطاً أحمر لضمان استمرار حياة المدنيين وحمايتهم من العزلة القاتلة.
ويقول الخبير في مجال المعلومات الرقمية والتقنية المهندس سليم تجاني، للوجهة 24، أن الانقطاع المتكرر للشبكات أدى إلى توقف مراكز الرصد الحقوقي والمستقل عن وثائق الانتهاكات وتوثيق أدلة الجرائم المرتكبة ضد السكان في القرى والمدن.
وأكد أن أطراف النزاع تستخدم غرف الشائعات الموجهة لتنفيذ عمليات نفوذ نفسية تهدف لإحباط الروح المعنوية للمجتمعات المحلية وإجبارها على ترك مناطقها.
وتتعرض القيادات الأهلية والإدارات العرفية في كردفان لضغوط هائلة جراء صعوبة التواصل بين القبائل للسيطرة على النزاعات المسلحة ذات الطابع القبلي.
وتشير مصادر إغاثية في حديث للوجهة 24، إلى أن خطورة الشائعات المضللة تتضاعف أثناء عمليات إخلاء الجرحى والمرضى، حيث تؤدي المعلومات المغلوطة لسلوك طرق ملغومة أو محفوفة بالمخاطر.
ويشير خبراء في مجال التعليم، إلى تأثر قطاع التعليم الرقمي والبديل الذي أطلقته بعض المبادرات الأهلية لحماية الأطفال من الانقطاع الدراسي جراء الشلل التام لشبكات شبكة الإنترنت.
وتصاعدت حدة الاتهامات المتبادلة بين الفرقاء حول المسؤولية عن تفكيك المقاسم الإلكترونية والمحولات الكهربائية المغذية لشبكات الاتصالات العامة في كردفان.
وتؤكد تقارير اقتصادية أن الخسائر المباشرة وغير المباشرة لقطاع الاتصالات في السودان تجاوزت مئات الملايين من الدولارات منذ اندلاع النزاع المسلح في البلاد.
ويواجه المزارعون والرعاة في ولايات دارفور صعوبات في تسويق منتجاتهم أو معرفة أسعار المحاصيل نتيجة لتوقف التغطية الرقمية في الأسواق الريفية الهامة.
كذلك، أدى التضليل الرقمي المتزايد إلى خلق حالة من عدم الثقة التامة في وسائل الإعلام والمنصات الحديثة، مما أعاد المواطنين لمتابعة الراديو القصير المدى.
وتطالب القوى المدنية السودانية بضرورة فتح ممرات آمنة للفرق الفنية والمهندسين لإصلاح الأعطال الكبيرة التي لحقت بشبكات الألياف الضوئية المحورية.
وتتفاقم الأزمة النفسية لدى النساء والأمهات في دارفور اللاتي يعشن حالة من القلق المزمن لعدم قدرتهن على التواصل مع أبنائهن في جبهات القتال أو اللجوء.
ويستخدم التضليل الرقمي أيضاً لترويج ملاذات آمنة وهمية ومعابر حدودية غير حقيقية، ما يوقع الفارين من سقر الحرب في مصايد عصابات التهريب والاتجار بالبشر.
وتسعى منظمات دولية لإدخال تقنيات اتصال بديلة عبر الأقمار الصناعية للعمل الإنساني فقط، لكنها تواجه تعقيدات إجرائية وأمنية مشددة من السلطات المحلية.
وتسبب الصراع الرقمي في تدمير التعاونيات النسوية والمبادرات التكافلية التي كانت تعتمد على مجموعات التطبيقات الرقمية لإدارة المساعدات الغذائية الطارئة.
توضح البيانات الميدانية أن المناطق الأكثر عزلة رقمياً في كردفان هي ذاتها التي تسجل أعلى معدلات في الانتهاكات ومعدلات نزوح السكان القسري.
وتستمر التداعيات الاجتماعية الخطيرة لقطع الشبكات والتضليل في تعميق جراح المجتمعات المحلية في دارفور وكردفان، مستهدفة الأمل في التعافي القريب.
يعكف ناشطون ومترجمون على إطلاق حملات توعية عبر الإذاعات المحلية للتحذير من مخاطر تصديق الشائعات الرقمية والانسياق وراء خطابات التحريض والكراهية.
وتبقى الحرب الرقمية وقطع شبكات الاتصال وسيلة ضغط مجردة من الإنسانية، تضاعف أوجاع المدنيين العزل في أكثر المناطق تضرراً من الصراع المسلح.
وتظهر شهادات المواطنين في زالنجي ونيالا مدى الحاجة الملاحة لاستعادة الاتصالات كحق أساسي من حقوق الإنسان لا يمكن التنازل عنه أو استغلاله كصراع.
وتتطلع المجتمعات المحلية في إقليمي دارفور وكردفان إلى تحرك دولي ضاغط يلزم جميع الأطراف المتصارعة بإعادة خدمات الاتصالات وإنهاء العزلة المفرطة.
ويبدو أن معركة السيطرة على الفضاء الرقمي والمعلوماتي في السودان ستظل قائمة، ما لم يتم التوصل إلى حل سياسي شامل ينهي الحرب ويصلح البنية التحتية.