جوبا التي فتحت أبوابها للسودانيين .. السفير عصام كرار ودبلوماسية الإنسان ” 2 ـ 2 “
جوبا التي فتحت أبوابها للسودانيين .. السفير عصام كرار ودبلوماسية الإنسان
كابتن طيار عادل المفتي .. يكتب
بعد المقال الأول، سألني كثيرون:
ألم يدعم جنوب السودان الجنجويد؟ ألم يرسل مرتزقة للقتال مع مليشيا الدعم السريع؟ ألم يفتح مطاراته لنقل العتاد والأفراد إلى داخل السودان؟
قلت: نعم، حدث ذلك، لكن الحقيقة غير وليست بهذه البساطة.
فالمرتزقة القادمين من جنوب السودان للقتال في صفوف مليشيا الدعم السريع، بحسب المعلومات التي لدي، لم ترسلهم حكومة جنوب السودان، وإنما قامت المعارضة الجنوبية بالتفاوض معهم وإرسالهم وقبض الثمن .
أما استخدام أحد المطارات لنقل العتاد والأفراد إلى داخل السودان، فقد تم بموافقة بعض أعضاء حكومة جنوب السودان بصفة فردية، وعندما علم رئيس الدولة بالأمر
قام بإقالات وتوقيفات مثيرة للجدل واكبتها تقارير إعلامية وتسريبات استخباراتية حول ملف تهريب الأسلحة:
وأولهم الجنرال أكول كور (الرئيس السابق لجهاز الأمن الوطني – القسم الخارجي) الذي أُقيل من منصبه في أكتوبر 2024، وشهدت جوبا لاحقاً توترات وإطلاق نار كثيفاً قرب مطار جوبا أثناء محاولة لتوقيفه. ربطت بعض التقارير الصحفية غير الرسمية إقالته بصراعات نفوذ داخلية وتكهنات حول غض الطرف عن شبكات لوجستية معينة، تعمل لصالح مليشيا الدعم السريع رغم أن القرار الرسمي لم يذكر أو ينفي ذلك.
وقامت حكومة جنوب السودان أيضا بتوقيف قيادات في المعارضة الموالية لرياك مشار مثل الفريق أول ويسلي ويليبي والجنرال غابرييل دووب لام، وسط تقارير استخباراتية أشارت إلى تفكيك شبكات وعملاء سريين حاولوا اختراق جنرالات في الجيش الشعبي لبناء صلات لوجستية واقتصادية تخدم المليشيا في السودان.
ومنذ ذلك الوقت، شددت الحكومة الرقابة على المطارات والحدود للحد من تكرار هذه العمليات.
وهنا تحديدًا يجب التفريق بين ما تفعله الدولة رسميًا، وما يقوم به أفراد أو أطراف معارضة من تلقاء أنفسهم ومن حق الشعب أن يعرف .
في نهاية المطاف، لا تُقاس الدبلوماسية بعدد الاجتماعات والبيانات، والأجندة الامنية والاقتصادية فقط وإنما أيضا بقدرتها على الوصول إلى الناس، وحل مشكلاتهم، وحماية مصالحهم، وتحويل العلاقات بين الدول إلى أثر ملموس في حياة المواطنين.
ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة سفارة جمهورية السودان لدى جمهورية جنوب السودان مختلفة؛ إذ لم تكتفِ بمتابعة الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية، بل جعلت الإنسان محوراً أساسياً في عملها، تحت قيادة الفريق السفير كمال كرار، سفير السودان لدى جمهورية جنوب السودان.
ففي جوبا، تحولت السفارة إلى مساحة مفتوحة لخدمة الجالية السودانية، وتعزيز التواصل الشعبي، ورعاية الطلاب، ودعم الأنشطة الاجتماعية والثقافية والرياضية.
6 آلاف سوداني في طريق العودة
في يناير 2025، نفذت السفارة برنامجاً للعودة الطوعية استفاد منه نحو 6 آلاف سوداني من الأسر والأفراد والرجال والنساء والأطفال، عبر نحو 30 رحلة جوية من جوبا إلى بورتسودان.
كما ساعدت في عودة نحو 450 شخصاً من جوبا إلى الخرطوم، في عملية تطلبت تنسيقاً متواصلاً مع الجهات المختصة في البلدين، ومتابعة دقيقة لأوضاع العائدين واحتياجاتهم.
وفي مسار آخر، قامت السفارة بتجميع ونقل نحو 2500 من الضباط والعسكريين وأسرهم من القوات المسلحة والأمن والمخابرات والشرطة، عبر الرنك إلى السودان.
هذه الأرقام لا تعكس مجرد عمليات نقل، بل تكشف عن جهد دبلوماسي وإنساني واسع، شاركت فيه السفارة بالتنسيق مع المؤسسات الرسمية والجهات المعنية، لضمان عودة آمنة ومنظمة للمواطنين.
قرار يحمي السودانيين
ولم تتوقف جهود السفارة عند تنظيم العودة، بل امتدت إلى معالجة أوضاع السودانيين المقيمين في جنوب السودان.
فمن خلال الاتصالات والمتابعة، أسهمت السفارة في الوصول إلى قرار من رئيس جمهورية جنوب السودان، الفريق أول سلفاكير ميارديت، يسمح للسودانيين بالدخول إلى جنوب السودان دون أوراق ثبوتية، مع منحهم حق الإقامة وفق الترتيبات المعتمدة.
ويمثل هذا القرار خطوة مهمة بالنسبة لآلاف السودانيين الذين وجدوا أنفسهم في ظروف استثنائية، إذ وفر لهم قدراً أكبر من الأمان والاستقرار، وفتح أمامهم باباً قانونياً للإقامة والحركة.
كما واصلت السفارة متابعة الإشكالات التي تواجه أفراد الجالية، والعمل على حلها بالتنسيق مع السلطات المختصة في جمهورية جنوب السودان.
التعليم في قلب الدبلوماسية
لم يكن الطلاب بعيدين عن اهتمام السفارة.
فقد جرى تنفيذ امتحانات الشهادة السودانية للأعوام 2024 و2025 و2026، بتسهيلات كبيرة من وزارة التربية والتعليم في جمهورية جنوب السودان، وبإشراف ومتابعة من نائب رئيس الجمهورية لقطاع الخدمات.
ويؤكد هذا الإنجاز أن الدبلوماسية لا تقتصر على الملفات السياسية، بل تشمل أيضاً حماية حق الطلاب في التعليم، والحفاظ على مستقبلهم الأكاديمي، حتى في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها السودان.
كما أقامت السفارة إفطاراً جماعياً لطلاب جامعة جوبا خلال شهر رمضان، وقدمت الدعم للمساجد، وأسهمت في دعم المسجونين المسلمين، بما في ذلك مساندة إدارة السجون في توفير إفطارات رمضان.
الثقافة والرياضة.. لغة تجمع الشعبين
في المجال الثقافي، شاركت السفارة في تفعيل المنتديات الثقافية بمدينة جوبا، ورعت منتدى جوبا الثقافي وعدداً من الأنشطة الثقافية، إلى جانب تنظيم ودعم مسابقة حفظ القرآن الكريم خلال شهر رمضان.
أما الرياضة، فقد قدمت نموذجاً واضحاً للدبلوماسية الشعبية.
فبالتنسيق مع الاتحاد السوداني لكرة القدم، أصبحت جمهورية جنوب السودان ملعباً للمنتخب السوداني في المنافسات الأفريقية، كما استضافت جوبا مباريات للمنتخب السوداني باعتبارها أرضاً بديلة له.
ولم تتوقف المبادرات الرياضية عند كرة القدم، إذ أقامت السفار مهرجان «الوفاء لأهل العطاء» لتكريم رواد كرة السلة من أبناء جنوب السودان الذين مثلوا السودان الكبير، وتكريم الأحياء منهم وأسر المتوفين، أمثال ابناء بوذ ديو الشنقيطي وأخوانه ووليم أندرية وحبيب اسطنبوليه ودود ملوال وغيرهم إلى جانب تنظيم دورات في كرة القدم الخماسية والكرة الطائرة للرجال والنساء.
شعب واحد في بلدين
تختصر هذه الأنشطة كلها حقيقة راسخة: العلاقة بين السودان وجنوب السودان لا تُبنى فقط عبر الحكومات، وإنما عبر الشعوب أيضاً.
فهي علاقة تمتد إلى الأسرة والجامعة والمسجد والملعب والثقافة والذاكرة المشتركة، وهو ما جعل السفارة، بقيادة الفريق السفير عصام كرار، تتحرك في أكثر من اتجاه، لتجمع بين العمل السياسي وخدمة المواطن، وبين العلاقات الرسمية والتواصل الشعبي.
وعندما تُراجع حصيلة هذه التجربة، تظهر ثلاثة مسارات متكاملة: دبلوماسية أعادت فتح قنوات التواصل، وتعاون أمني واقتصادي أسس لمصالح مشتركة، وجهد إنساني وشعبي جعل السفارة بيتاً للجالية وجسراً بين الخرطوم وجوبا.
وهنا تكمن قيمة العمل الدبلوماسي الحقيقي: أن يتحول من مكاتب مغلقة إلى خدمة ملموسة، ومن بيانات رسمية إلى نتائج يلمسها المواطن، ومن علاقات بين دولتين إلى روابط حية بين شعبين.
وفي العلاقات بين السودان وجنوب السودان، حيث تجمع الجغرافيا والتاريخ والدم، يظل أقوى إنجاز للدبلوماسية هو أن يبقى الجسر مفتوحاً، وأن يجد الناس على جانبيه من يصغي إليهم، ويحمي مصالحهم، ويمد لهم طريق العودة.
ولعلها تكون كونفدرالية ويعود السودان موحدا من جديد من يعلم ؟ فهم شعب واحد في بلدين .
في الختام، أتقدم بالشكر لكل من قدم لي هذه المعلومات القيمة، وأعتذر مرة أخرى عن عدم تقصي الحقيقة من مصادرها قبل الكتابة. وأقول لوسائل الإعلام: اكتبوا دائمًا عن الدبلوماسية التي تجمع الشعوب، وعن الجهود الكبيرة التي يبذلها سفراؤنا، والتي قد لا يعلم عنها الشعب الكثير، خاصة في تعزيز العلاقات مع الأشقاء في جنوب السودان.
كما أحيي جهود وزير الخارجية السوداني ودوره في دعم العمل الدبلوماسي، بالتعاون مع السفراء، بما يسهم في رفع اسم السودان عاليًا. وأعتقد أن الدبلوماسية السودانية تسير في طريقها الصحيح، ولا سيما الدبلوماسية الشعبية التي تظل جسرًا مهمًا بين الشعوب.
وللسفير الفريق عصام كرار، التحية والتقدير على ما يبذله من جهود، وكل التحية لكل من يعمل من أجل السودان وعلاقاته مع أشقائه.
قال تعالي :
:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
صدق الله العظيم