حاج ماجد سوار يكتب شكوى في بريد مجلس السيادة
شكوى في بريد مجلس السيادة
(بعيداً عن معركة الكرامة ، قريباً من برنامج إعادة الإعمار و النهوض)
حاج ماجد سوار يكتب
يعرف العصر الذي نعيشه بأنه عصر ثورة تكنولوجيا المعلومات و الاتصالات ، التي تُعد إحدى الركائز الأساسية للثورة الصناعية الرابعة . و ما من دولة حققت معدلات ملموسة من النمو و التطور خلال العقود الأخيرة إلا و كانت تكنولوجيا المعلومات و الإتصالات إحدى أهم روافع نهضتها و تقدمها .
و قد أفرزت هذه الثورة ما يُعرف بـ (إقتصاد المعرفة و الإبتكار) ، الذي أصبح أحد القطاعات الإقتصادية الحديثة ذات الأهمية المتزايدة في الإقتصادات الوطنية و العالمية ، لما يتيحه من فرص واسعة للنمو و الإنتاجية و خلق فرص عمل ، فضلاً عن دوره في تعزيز القدرة التنافسية للدول ، و قد سبق لي أن كتبت سلسلة منشورات بعنوان (إقتصاد المعرفة) .
و تعد شبكة الإنترنت العالمية بمثابة البنية التحتية الأساسية التي تقوم عليها تكنولوجيا المعلومات و الاتصالات ، و من ثم إقتصاد المعرفة . فكلما اتسعت تغطية الشبكة ، و تحسنت جودتها ، و ازدادت سرعتها و استقرارها ، تهيأت بيئة أكثر ملاءمة لتطور هذا الإقتصاد و توسُّع أنشطته .
و من أبرز المشكلات التي تواجه بلادنا اليوم ، و تُعيق مسيرة تقدمها و تطورها ، ضعف خدمات الإنترنت و تردّي جودتها و عدم استقرارها ، الأمر الذي انعكس سلباً على مختلف مناحي الحياة ، و ألحق أضراراً بالغة بالمواطنين و المؤسسات و الإقتصاد الوطني .
و قد ترتبت على ضعف خدمات الإنترنت في السودان آثار سلبية عديدة ، يمكن إجمال أبرزها في النقاط الآتية :
أولاً : المعاملات المصرفية و المالية
التأثير المباشر على المعاملات المصرفية الداخلية و الخارجية ، و تعطيل التحويلات المالية و الخدمات المصرفية الإلكترونية ، و ما يترتب على ذلك من خسائر و أضرار تلحق بالعملاء و الشركات و المصارف ، فضلاً عن انعكاساته السلبية على النشاط الاقتصادي و ثقة المتعاملين في الخدمات المالية الرقمية .
ثانياً : الإيرادات الحكومية
تعطيل المعاملات الإلكترونية و تحصيل الرسوم الحكومية في قطاعات حيوية ، مثل الجمارك و الضرائب و الخدمات العامة ، الأمر الذي يؤدي إلى إبطاء الإجراءات ، و إضعاف كفاءة التحصيل ، و التأثير سلباً على الإيرادات العامة .
ثالثاً : التعليم و المعرفة
إعاقة الوصول إلى مصادر المعرفة و المعلومات ، و الحد من الاستفادة من منصات التعليم الإلكتروني و التدريب عن بُعد ، في وقت أصبحت فيه شبكة الإنترنت إحدى الأدوات الأساسية للتعليم و اكتساب المعرفة و تطوير المهارات .
رابعاً : قطاع الأعمال و التجارة الإلكترونية
إلحاق الضرر بقطاع الأعمال و التجارة الإلكترونية ، الذي أصبح مصدراً للدخل و فرص العمل لآلاف السودانيين ، و لا سيما الشباب، فضلاً عن تعطيل الأنشطة التجارية التي تعتمد على الإنترنت في التسويق و التواصل و إتمام المعاملات .
خامساً : التوعية الصحية و المجتمعية
الحد من فاعلية إستخدام وسائل التواصل و المنصات الرقمية في نشر التوعية الصحية و المجتمعية ، و مكافحة الظواهر السالبة ، و توفير المعلومات الضرورية للمواطنين في الوقت المناسب .
سادساً : العلاقات الإجتماعية و التواصل
التأثير على العلاقات الإجتماعية التي باتت تعتمد بصورة متزايدة على وسائل التواصل الرقمي ، بوصفها وسيلة أساسية للتواصل بين الأسر و الأصدقاء و الأقارب ، خاصة في ظل إنساع رقعة الهجرة و الإغتراب و صعوبة التنقل .
سابعاً : الإستثمار و التحول الرقمي
إضعاف البيئة الجاذبة للإستثمار في القطاعات الرقمية ، و تعطيل جهود التحول الرقمي و تطوير الخدمات الإلكترونية ، و الحد من قدرة المؤسسات الوطنية على مواكبة التطورات المتسارعة في الاقتصاد العالمي .
و يمكن الإستشهاد بعشرات الأمثلة الأخرى للآثار المترتبة على ضعف خدمات الإنترنت ، و ما يسببه ذلك من أضرار مباشرة و غير مباشرة على المواطنين و مؤسسات الدولة و الإقتصاد الوطني .
إن الإنترنت لم يعد ترفاً أو خدمة ثانوية يمكن الاستغناء عنها ، بل أصبح ضرورة حياتية و أحد مقومات التنمية الإقتصادية و الإجتماعية ، و شرطاً أساسياً لتطوير الخدمات العامة و تعزيز كفاءة مؤسسات الدولة .
و من هذا المنطلق ، أضع هذه القضية بين يدي مجلس السيادة ، داعياً إلى إيلائها ما تستحقه من إهتمام و العمل على تشخيص أسباب تردّي خدمات الإنترنت في البلاد ، و وضع المعالجات اللازمة لتحسين جودتها و توسيع نطاق تغطيتها و ضمان إستقرارها .
كما أدعو الباحثين و المتخصصين و المهتمين إلى دراسة هذه القضية بعمق ، و تحليل آثارها الإقتصادية و الإجتماعية ، و تقديم المقترحات العملية التي تسهم في تطوير قطاع الإتصالات و المعلومات ، باعتباره أحد القطاعات الإستراتيجية التي لا غنى عنها في بناء السودان و نهضته .
إن تحسين خدمات الإنترنت ليس مجرد مطلب خدمي ، بل هو إستثمار في مستقبل الوطن ، و في قدرته على النهوض و التطور و مواكبة العالم .