كيف أطفأ البنك المركزي محركات البلاد؟
من يدفع الفاتورة؟ (٣)
كيف أطفأ البنك المركزي محركات البلاد؟
رشان أوشي
بنك السودان المركزي هو المتسبب الأول في أزمة الوقود، تليه وزارة الطاقة؛ فسياساتهما العشوائية تسببت في صب المعاناة على المواطن، ومضاعفة أرباح الموردين.
كيف حدث ذلك؟ هذا ما نسرد تفاصيله في هذا المقال.
ففي 25/يوليو/2024، أطلق بنك السودان المركزي “محفظة استيراد السلع الاستراتيجية”، بموارد تصل إلى مليار دولار، برئاسة بنك الخرطوم. وفي 30/نوفمبر/2024، أعلن البنك المركزي حصر استيراد الوقود على المحفظة، بهدف منع اتجاه التجار إلى السوق السوداء وتجنب انهيار العملة الوطنية.
آنذاك، كان الموردون متعددين، والوقود متوفر، ولم تكن الندرة تحدث إلا في حالات متباعدة. وبالفعل، أعلن بنك الخرطوم في سبتمبر 2025 أنه مول استيراد وقود بأكثر من مليار دولار.
لكن التحول الجذري حدث عقب تولي السيدة “آمنة ميرغني”، رئاسة بنك السودان؛ حيث قامت بإلغاء المحفظة، وأصدرت اشتراطات جديدة بالتوافق مع وزارة الطاقة، كان أبرزها شرط تسليم البنك (200) كيلوجرام من الذهب للحصول على تصديق استيراد الوقود، على أن يتكفل البنك المركزي بتوفير العملة الصعبة بالسعر الرسمي.
ونتيجة لذلك، أصبح الموردون يحصلون على دولار مدعوم من قوت الشعب، ليبيعوا الوقود للمواطنين بالسعر العالمي.
هذه السياسات الجديدة، كما ذكرنا في مقالات سابقة، أدت إلى احتكار شركات بعينها لعمليات استيراد الوقود. وبمرور الأيام، عجز البنك المركزي عن الاستمرار في توفير العملة الصعبة المدعومة، فتفاقمت الأزمة، وترك الشعب في مواجهة صفوف الوقود الممتدة، يتجرع كؤوس المعاناة.
واقع الحال يدفعنا إلى تساؤلات مهمة: لماذا كانت هناك آلية قادرة على تمويل أكثر من مليار دولار من الوقود ، ثم انتقلنا إلى منظومة جديدة انتهت إلى أزمة وصفوف وندرة؟
لقد كرست سياسات الحكومة الأرباح في جيوب نفر قليل من التجار، بينما يقضي الشعب يومه لاهثاً خلف سراب لقمة العيش، في مشقة غير مسبوقة.
وصل الأمر إلى أن شركة تأسست عام 2024 باتت اليوم تحتكر استيراد وقود الطائرات بالكامل، بعد أن كانت المؤسسة السودانية للنفط وعدد من الشركات التجارية تتشارك استيراد الكمية المطلوبة.
كيف حدث ذلك؟ ومن منح هذه الشركة القدرة على احتكار السلعة؟ وبأي معايير جرى اختيارها؟. هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تجيب عنها وزارة الطاقة وبنك السودان المركزي بوضوح، وبالأرقام.
لا يمكن بأي حال من الأحوال إحسان الظن بما يحدث، ولا يمكن الاعتقاد بأن هذه السياسات وضعت عن جهل أو حسن نية.
ولهذا، فإن المطلوب ليس فقط معرفة من يستورد الوقود، وإنما معرفة من صمم السوق التي سمحت لهم بالاحتكار، ومن منحهم فرصة الوصول إلى النقد الأجنبي، ومن أبعد منافسيهم، ومن يتحمل مسؤولية النتيجة التي يدفع المواطن فاتورتها اليوم؟.
الإجابة عن تلك الأسئلة، تكشف حقيقة لا ينتابها شك،إن أزمة الوقود صناعة حكومية مكتملة الأركان، بقرارات متخبطة وسياسات مريبة؛ حيث تحولت مؤسسات الدولة، الموكلة إليها حماية الاقتصاد، إلى معبر لتسهيل احتكار قلة من التجار، وتغطية أخطائها بجلد المواطن.
إن العدالة تقتضي محاسبة من اتخذوا هذه القرارات، وإلى أن تتوقف هذه المهزلة، وتتم مراجعة تلك السياسات بشفافية كاملة، سيبقى التساؤل المر قائماً، لحساب من تعمل هذه الحكومة؟ ومن يسدد الفاتورة حقاً؟.
محبتي واحترامي