وساطة ترامب في أزمة سد النهضة: بين استدعاء النفوذ وتحديات الواقع
وساطة ترامب في أزمة سد النهضة: بين استدعاء النفوذ وتحديات الواقع
د. لؤي عبد المنعم
الخبير في الشؤون الدولية
أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب طرح وساطة بلاده لحل أزمة سد النهضة الإثيوبي في لحظة إقليمية مشحونة بالتوترات المائية والجيوسياسية، عبر رسالة رسمية للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. هذه الخطوة التي جاءت بعد سنوات من الجمود تطرح تساؤلات جوهرية حول فرص نجاحها وحدود تأثيرها، ومدى استعداد الأطراف الثلاثة (مصر، السودان، وإثيوبيا) للانخراط في مسار تفاوضي جديد برعاية أميركية.
*أولا: السياق السياسي للوساطة*
وساطة ترامب ليست جديدة فقد بدأت في أواخر عام 2019 حين دعت وزارة الخزانة الأميركية، بالتعاون مع البنك الدولي، الأطراف الثلاثة إلى مفاوضات في واشنطن، واستمرت حتى فبراير 2020. culminated in a draft agreement on the rules for filling and operating the dam. وقعت مصر على الاتفاق بالأحرف الأولى، بينما رفضت إثيوبيا الحضور والتوقيع، واعتبرت أن واشنطن تجاوزت دور الوسيط إلى الضغط السياسي.
ثانيا: دوافع الأطراف
– مصر ترى في الوساطة الأميركية فرصة لإحياء مطلبها الأساسي: اتفاق قانوني ملزم ينظم ملء وتشغيل السد، ويمنع الإجراءات الأحادية التي تهدد أمنها المائي.
– إثيوبيا ترفض أي تدخل خارجي ينظر إليه كمساس بالسيادة، وتصر على أن السد مشروع تنموي داخلي لا يحق لأحد التدخل فيه.
– السودان الذي تبنى خيار وسط بين الموقفين، يطالب بضمانات فنية وتشغيلية تضمن سلامة سدوده وأمنه المائي، لكنه يعاني من تحديات وازمات داخلية تعيق قدرته على التأثير الفعلي.
ثالثا: أدوات الضغط الأميركية
تمتلك واشنطن أوراقا مهمة يمكن أن تستخدم لدفع الأطراف نحو اتفاق، منها:
– المساعدات الاقتصادية والعسكرية، خاصة لمصر وإثيوبيا.
– النفوذ في المؤسسات المالية الدولية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد.
– التحالفات الإقليمية، لا سيما مع دول الخليج التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع كل من القاهرة وأديس أبابا.
لكن حتى الآن، لم تفعل هذه الأدوات بوضوح، ما يثير تساؤلات حول جدية الضغط الأميركي، وحدود التزام واشنطن بتحقيق اختراق حقيقي.
رابعا: التحديات البنيوية
– غياب آلية إلزام قانوني: دون اتفاق ملزم، تبقى أي تفاهمات عرضة للنكوص أو التأويل.
– الواقع المائي الجديد: السد بات شبه مكتمل، وبدأ التشغيل، ما يجعل أي اتفاق لاحق أقرب إلى (إدارة الضرر) منه إلى (منع الضرر).
– الانقسام الإقليمي: غياب موقف إفريقي موحد، وتراجع دور الاتحاد الإفريقي، يضعف فرص الحلول الجماعية.
خامسا: هل من فرص للنجاح؟
نجاح الوساطة الأميركية مرهون بعدة شروط:
1. تجميد الإجراءات الأحادية من جانب إثيوبيا خلال فترة التفاوض.
2. ضمانات دولية تلزم الأطراف بما يتم الاتفاق عليه.
3. إشراك أطراف إقليمية مثل السعودية وقطر، بما لهما من نفوذ اقتصادي في إثيوبيا، وعلاقات استراتيجية مع مصر والسودان.
ومن خلال ما تقدم نخلص الى أن وساطة ترامب تمثل محاولة لإعادة التوازن إلى ملف شائك، لكنها تصطدم بواقع إقليمي معقد، ومواقف متصلبة، وغياب الثقة بين الأطراف. إن لم تدعم هذه الوساطة بإجراءات ملموسة وضمانات قانونية، فإنها قد تتحول إلى مجرد فصل جديد في مسلسل المراوغات الدبلوماسية. أما إذا استثمرت بذكاء، فقد تفتح نافذة ضيقة نحو تسوية عادلة، تحفظ الحقوق وتمنع الانزلاق نحو صراع مفتوح.
المصادر:
1. بيان وزارة الخزانة الأميركية – 28 فبراير 2020 (home.treasury.gov in Bing)
2. BBC – إثيوبيا تنسحب من مفاوضات سد النهضة (bbc.com in Bing)
3. MEO – ترامب يعرض وساطة بين مصر وإثيوبيا (middle-east-online.com in Bing)