خُطى الإرتجال..!! الطاهر ساتي
خُطى الإرتجال..!!
الطاهر ساتي
:: زار الأطلال المهجورة قبالة القيادة العامة، ومنها أعلن رئيس الوزراء كامل إدريس عن موافقة رئيس مجلس السيادة على إقامة مدينة السودان الطبية، ولم يوضح علاقة مجلس السيادة بالمشافي ليوافق عليها أو يرفض، إذ هذا شأن تنفيذي، ومجلس الوزراء هو المسؤول عنه، ومن المحزن أن يعمل هذا سكرتيراً لذاك ..!!
:: المهم ..قبل ما يقارب العشرين عاماً، عندما كانت الدولة بكل أقاليمها، ومؤسساتها مكتملة، وشعبها مستقراً، قرروا أن يكون بالسودان (مدينة طبية)، وأسموها بمدينة البشير الطبية، وموقعها بالباقير شمال الجزيرة، على مساحة تبلغ (300 ) فدان وتكلفة قدرها (750) مليون دولار ..!!
:: ولم يصبح الحلم واقعاً إلا أن إشتعلت الحرب..والأطلال التي زارها رئيس الوزراء كانت في أصل مشروع مستشفى إستثماري تابع لوزارة الدفاع، وباعتها لوزارة المالية بمبلغ قدره (72) مليون دولار، ليصبح مركزاً من مراكز المدينة البالغ عددها حسب قولهم (31) مركزاً، موزعة بكل أقاليم السودان..!!
:: و لكن غير تلك الأطلال – وفيافي الباقير – لايوجد في الواقع أي شئ آخر يحمل لافتة المدينة الطبية.. و يبدو أن هذا المشروع كان سياسياً – مُرتجلاُ – ومن غير دراسة ولا تمويل، بدليل عجزهم عن تشطيب غرفة الخفير طوال عقد ونيف من الزمان، ناهيك عن إكمال عيادة بالمدينة..!!
:: ولأن التغيير الراهن تغيير شخوص و ليس مفاهيم، فمن الطبيعي أن يمضي كامل إدريس على (خُطى الإرتجال)، و يعد الناس بالمدينة الطبية.. لمروه بجوار تلك الأطلال..لم يطّلع على دراسة، ولا يملك خطة التمويل، فقط شاهد تلك الأطلال وقال : (هذا المشروع الاستراتيجي أسهم في تعزيز صمود القيادة العامة)..!!
:: فالهيكل الخرصاني ساهم في صد الجنجويد ، ولذلك ( يلا نعمل مدينة طبية)، وليس مهماً الجدوى والدراسة و التمويل وغيره من أساسيات المشاريع ..والمحزن أن وزير الصحة هيثم إبراهيم أصبح أيضاً سياسياً بارعاً – في السواقة بالخلا – لحد قوله أن المدينة الطبية خطوة نحو إنهاء فاتورة العلاج بالخارج..!!
:: لو تم تأهيل المراكز الصحية و المستشفيات بالأقاليم (كما يجب)، لتم إنهاء الزحف إلى الخرطوم و الخارج ..هيثم يعلم عجز النظام الصحي في بلادنا عن تأسيس نظم العلاج و الهرم المطلوب، بحيث لا يموت المواطن بخفاء أو يتكبد مشاق الرحلة الطويلة باحثاً عن العلاج بالخرطوم، ثم بالخارج .. !!
:: بالدول ذات النظم الصحية الواعية فإنّ الأصل في تقديم الخدمة العلاجية للمواطن يتمثل في عنصري (الزمن والتدرج).. أي عند إصابة المواطن بأي طارئ أو عند شعوره بأعراض المرض، فإنّ أولى محطات رحلة العلاج هي أقرب (مركز صحي)، وليس المستشفى أو المدينة الطبية..!!
:: ولأن عنصر الزمن هو المهم، يتم توزيع المراكز الصحية في الأحياء والأرياف ليكون طبيب الأسرة قريباً للمواطن..وبالمركز الصحي يتم علاج المريض أو يُسعف ثم يتم تحويله إلى مستشفى ثانوي.. وبالمستشفى الثانوي يتم العلاج أو يُحول إلى المستشفى المرجعي..هكذا مراحل العلاج، وهي من الأبجديات المفقودة في بلادنا ..!!
:: ولو كانت الخارطة العلاجية في بلادنا بذات دقة وجودة خرائط الدول التي حكوماتها تحترم شعوبها، لما خلت الأرياف و الأحياء من المراكز الصحية والشفخانات، ولما خلت الولايات من المشافي المرجعية المؤهلة التي تُجنب المواطن و عثاء السفر إلى الخرطوم و الخارج.. !!
:: وعليه، فالعلاج بالخارج لن يتوقف بالإرتجال وأحلام اليقظة و حرق المراحل وخداع الأنفس، بل بالبدايات الصحيحة و المؤسسية و..الإرادة الصادقة ..!!