جماعة ابستين (فرع السودان) تظاهروا بالصيام في رمضان وافطروا على خمر الخيانة
جماعة ابستين (فرع السودان) تظاهروا بالصيام في رمضان وافطروا على خمر الخيانة
د. لؤي عبد المنعم
إن إعادة طرح لجنة التمكين سيئة السمعة إلى الواجهة، بكل ما تحمله من إرث مثقل بالخصومة والاضطراب والارتباط بالخارج، ليست سوى محاولة لإحياء خطاب سياسي مستورد، يتدثر بالضغائن التاريخية ويصرف الدولة ومؤسساتها عن أولوياتها الحقيقية في الأمن والخدمات وإعادة البناء. ويراد لهذا الخطاب المأفون أن يصور المشهد وكأن البلاد تقاد نحو انتصار لنهج الميليشيا على الدولة، بينما الواقع أبعد ما يكون عن هذه السرديات المفتعلة.
فالسودان عقب التغيير الحتمي في أبريل ٢٠١٩ لم يعد يدار من قبل الإسلاميين، برغم حضورهم ضمن المستنفرين دفاعا عن الوطن واستجابة لدعوة القيادة للتعبئة العامة، ولا سيطرة لهم على مفاصل الدولة كما يروج البعض، فضلا عن أن دورهم في العقد الثالث من حكم الانقاذ كان شكليا، وخصومهم السياسيون حاضرون في رحاب المواطنة التي يتمتع بها الجميع، يمارسون نشاطهم السياسي في حدود ما تسمح به ظروف الحرب الاستثنائية. وهذه الحقيقة وحدها تكشف أن الوطن أكبر من العصبيات، وأن الدولة تتسع للجميع ولا تختزل في فصيل أو تدار بمنطق الثأر السياسي.
وإذا كانت هذه اللجنة الجنجويدية تزعم أنها جاءت لـ(تفكيك التمكين)، فلتبدأ إن كانت على غير ما شهدنا سابقا من افتقادها للبوصلة الوطنية، بالنظر إلى البنية الأسرية والمصلحية التي تتحكم في قيادة الميليشيا نفسها، وارتباطها الوثيق بالمرتزقة الاجانب وسياسة التغيير الديموغرافي، وجرائم التهجير والنهب والابادة الجماعية ،والدعم والتوجيه الاماراتي للمليشيا بغرض اطالة أمد الحرب وتقسيم السودان، والتي تستمد نفوذها من الولاءات الجهوية الضيقة خصما على وحدة وتماسك الدولة. فالمعايير غير قابلة للتجزئة، والمصداقية لا تبنى على استهداف مكون وطني يساند مؤسسات الدولة، وتجاهل تمرد عسكري لا قرار له، بل على مواجهة اختراقات الخارج و بؤر الفساد الحقيقية التي تهدد الدولة وتقوض مؤسساتها.
لقد منحت بعض القوى فرصا متكررة للعودة إلى الصف الوطني، لكنها آثرت مسارات تعمق الشرخ وتفتح أبوابا لأجندات لا تخدم استقرار البلاد. والإصرار على هذا النهج، مع تجاهل حقيقة أن السودان وطن رحب يتسع للجميع، يضع الجميع أمام مسؤوليات سياسية وقانونية لا يمكن تجاوزها.
إن الوطن أكبر من العصبيات الضيقة، وأسمى من محاولات استدعاء الضغائن لإدارة الحاضر. والسودان، بتعدده وعمقه التاريخي، لا يختطف بخطاب ولا يدار بمنطق الإقصاء. ومن يصر على مسار يضر بالدولة ويربك مؤسساتها ويرهنها للاجندة الخارجية، فليتحمل تبعات اختياره أمام الشعب والتاريخ، فالمساءلة ليست خصومة بل واجب وطني لحماية وصيانة مؤسسات الدولة.