انت.حار أم جريمة؟
رفيدة ياسين تكتب…حروف متمردة
بسنت سليمان… حكاية حسناء مصرية شغلت وسائل التواصل، لا لجمالها الأخّاذ، بل لنهايتها المُفجعة… حين أنهت حياتها على المَلَأ خلال بثٍ مباشر، تحت وطأة رجلٍ متهم بالتعنيف، تاركة خلفها طفلتين… وجرحًا مفتوحًا وأسئلة بلا إجابات.
وراء تلك الملامح الهادئة، التي قد تخدع العابرين بنعومتها، تختبئ قصة وجعٍ لا يُرى… وجعٌ تكدّس بصمت حتى فاض، ولم يعد في القلب متسعٌ لاحتماله، ولا في الروح قدرةٌ على حمله.
لم تكن الحكاية لحظة ضعفٍ عابرة، ولا قرارًا مفاجئًا كما يختصرها البعض ببرود، بل كانت سيرة نزيفٍ طويل… سنوات من الاستنزاف النفسي، من الضغوط التي لا تُرى، لكنها كما يقول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه “ليست الأشياء ما يؤلمنا، بل تأويلنا لها”. وحين يكون التأويل مفروضًا قسرًا، يصبح الألم مضاعفًا… بلا صوت، بلا اعتراف.
ست سنوات أو يزيد، وهي تصرخ في العلن،رأيتها تتحدث في مقابلة تليفزيونية وهي تستغيث، تحاول أن تنجو من دائرةٍ مغلقة من العنف… لكن الأبواب كانت تُغلق في وجهها، لا لأنها لم تطرقها بما يكفي، بل لأن العالم لم يكن مستعدًا للإصغاء… وربما كان، في لحظات كثيرة، أكثر قسوةً من ألمها نفسه.
في مجتمعاتنا، لا يأتي العنف دائمًا صارخًا… أحيانًا يرتدي أناقةً مُضلِّلة، ويظهر في هيئة رجلٍ “مثالي”: ناجح، في مكانة مرموقة، لبق، كريم… يحسن تلميع صورته تماما كما يحسن إخفاء ظله.
وهنا تكمن المأساة:
حين يصبح الجاني مجرما مُقَنَّعا، ومُقنِعًا إلى درجة أن الضحية قد تبدو أمام زيفه غير قابلة للتصديق.
سيستخدم الجاني صورها مبتسمة في لحظات إغراق عاطفي عابرة إلى جواره ويمضي بها هنا وهناك، ليثبت للناس كم كانت سعيدة معه، وكم كان عظيما معها، لكن الانكسارات في الغالب غير مرئية والعدسات غير قادرة دوما على التقاط الآهات ولا توثق في العادة الدمعات التي تذرفها النساء المُعَنَّفات في الليالي الحزينة.
وكم خلف الجدران من نساءٍ سقطن ضحايا للتلاعب والعزلة… فقتلهن الصمت مرات ومرات، وهنّ يعشن على قيد الألم.
كما تشير الكاتبة الفرنسية سيمون دي بوفوار:
“الظلم لا يحتاج إلى قوةٍ خارقة، بل إلى صمتٍ طويل”…
وهذا الصمت غالبا هو ما يمنح العنف شرعيته غير المعلنة.
الرجل المُعنِّف لا يخشى الفَقد، بل يخشى فقط فقدان السيطرة.
لذلك، حين تختار المرأة الرحيل، لا يرى في قرارها خلاصًا… بل تمرّدًا يستوجب عقابا أكبر.
ومن هنا تبدأ المرحلة الأشد قسوة…
يعزلها…
يشككها في ذاتها…
يسرق يقينها بنفسها، كما تُسرق الأشياء الثمينة في العتمة دون حساب أو عقاب.
يجرحها… ثم يتهمها بالمبالغة.
يصرخ… ثم يصفها بالعصبية إن حاولت الرد أو تجرأت على الاعتراض.
يكسرها… ثم يسألها باستخفاف وتَشَفِّي : لماذا أنتِ ضعيفة؟
وهنا يتجلى ما قاله الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو أن:
“أخطر أشكال السلطة تلك التي تجعل الإنسان يراقب نفسه بنفسه”،
فتتحول الضحية تدريجيًا إلى سجنٍ لنفسها.
ثم…يرتدي هو قناع الضحية.
يتحدث عن صبره، عن معاناته،
عن محاولاته “لإنقاذها واستماتته لإنقاذ العلاقة”… وقد يأخذها إلى مستشار علاقات أو طبيبٍ نفسي، لا ليعالجها، بل فقط ليُثبت روايته.
إنها ليست كذبة صريحة…بل شبكة من أنصاف الحقائق،وهنا تكمن خطورة الرجل السام أنه يستخدم نصف الحقيقة دوما لنسج رواياته،
وهنا بالنسبة للضحية الحقيقية قد يصبح الدفاع عن النفس تهمة،
والصوت المرتعش المُنهَك من فرط الإهانة دليل إدانة.
الرجل المعنف يظهر في البداية جذابا، في صورة مفرطة في المثالية، ويستخدم لعبة الإغراق العاطفي وهو في العادة مُتعجِّل جدا في خطوات الزواج والإنجاب ليس بدافع الحب بل بهدف التوريط، ليكون التخلص منه صعبا عندما يسقط قناعه المزيف،
وحين يكون هناك أطفال…
يصبح القيد أكثر إحكامًا.
فالإنجاب، في هذه العلاقات غير السوية، لا يكون امتداداً للمودة والرحمة… بل وثيقة ارتباط قسري، وسلاحًا يُستخدم عند الحاجة.
ومع الأطفال، تتضاعف أدوات السيطرة:
التقييد…
منع السفر…
خنق الاستقلال المادي…
التلاعب بالحضانة…
واستخدام البراءة نفسها كورقة ضغط.
فتجد المرأة نفسها محاصرة…
لا برجلٍ واحد، بل بمنظومة كاملة من الهيمنة.
العيش مع رجل سام جحيم…
لكن محاولة الخروج من عالمه، حرب غير معلنة..جبهاتها متعددة،
فإن قررت امرأة أن تنجو… أن تقول “كفى”…
تُقلَبُ الطاولة عليها..ويبدأ فصلٌ آخر، أشد ظلمة:
تشويه السمعة،
زرع الشك في محيطها،
قطع مصادر الدعم،
إغراقها في أزمات لا تنتهي…
حتى تصبح وحيدة… في معركة غير متكافئة المجرم فيها ليس طليقا فقط، بل وقحا لدرجة تجعله يخرج مواجها للمجتمع وهو يرتدي ثوب الضحية بعد تلفيق أحداث صدقها هو نفسه، لدرجة أن ذرف خلال سردها دموع التماسيح دون أن يرمش له جفن أو يستيقظ له ضمير.
وهنا، يقف المجتمع في مفارقة قاسية في صف السؤال، لا في صف الحقيقة:
“لماذا لم تتحمل؟”
“لماذا لم تصبر؟”
“أين كان إيمانها؟”
وألف ألف لماذا وكيف وأين…؟!
فالمرأة في مجتمعاتنا… متهمة إن صمتت، ومُدانة إن تكلمت.
لكن الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون، والتي يلمّح إليها فيلسوف العبثية ألبير كامو،
أن الإنسان لا ينهار فجأة…
بل حين يفقد المعنى الذي يقاتل من أجله.
الانهيار… ليس ضعفًا مفاجئًا،
بل نهاية طريق طويل من الصمود الصامت.
إن مأساة نساءٍ كثيرات ليست في ضعفهن…
بل في قوةٍ فُرضت عليهن قسرًا.
ولهذا، فإن أخطر ما في العنف ليس ما يُرى… بل ما يُخفى قسرًا.
المشكلة ليست الضربة وحدها… بل في أن السهام إذا ما صُّوبت من مصدر كان يتوقع أن يكون آمِنا، قد تتسبب في تآكل بطيء للروح.
ظاهريا قصة بسنت قد تثير الشفقة،
وكأن الحكاية كلها تُختصر في صرخة،
لكن ما وراء البث المباشر، تفاصيل لم تُبَثْ،
وهناك حتما مسلسل خفي من المعاناة،
فليس هناك ما هو أشد إيلامًا من أن تُحارب في معركةً لا يراها أحد، ثم تُلام لأنك خسرتها.
ما نحتاجه اليوم ليس مزيدًا من الأحكام،
بل وعيًا يُنقذ قبل أن يُدين.
ليس لومًا…
بل إنصاتًا عميقًا لتلك الأصوات التي خُنقت طويلًا،
ولذلك الوجع الذي عاش في الظل حتى صار أكبر من الاحتمال.
علينا أن نصدّق الصوت حين يصرخ،
قبل ان يتحول إلى صمتٍ أبدي.
وقبل أن تصبح الحكاية… مجرد رقمٍ جديد في قائمة الفقد اللانهائي للنساء في مجتمعاتنا،
وكما قالت الكاتبة والحقوقية الأميركية مايا أنجيلو:
“هناك ألمٌ لا يُحتمل في احتواء قصةٍ لم تُروَ.”
فلنستمع…
حتى لا يصبح الوجع… خاتمةً بلا نجاة.
تحية فخر…
للصابرات،
للصامدات،
للناجيات اللاتي مشين نحو الضوء،
حتى ولو كان الطريق مفروشًا بالأشواك، ومحفوفًا بالنار.
ما زلت أذكر تلك المرأة التي التقيتها صدفةً،
وسمعت حكايتها مع العنف الأسري وأدركت أنها لم تنتصر بالصراخ، بل بالتحرر من أي تأثير للرجل السام،
قالت بهدوءٍ :
“اخترت أن أكون ناجية… لا ضحية.”
لم تنتقم…
لم تكره…
فقط… أعادته غريبًا كما كان،
ومضت.
كأن شيئًا لم يكن…
لم يهمها إن صمتت أو حكت أو حتى بكَت،
إلا أنها نجت..!