آخر الأخبار
ضبط كميات من الكبتاجون والآيس بالدامر توقيف ممثلة شهيرة وزوجها بتهم تتعلق بالمخدرات اجتماع عاجل برئاسة إبراهيم جابر لمتابعة ملف الوقود وسعر الصرف شكرالله عز الدين يدخل القفص الذهبي في احتفال فني ضخم بالقاهرة نشاط عسكري لمليشيا الدعم السريع داخل قاعدة بأثيوبيا نقابة الصحفيين ترفض استمارة وزارة الإعلام وتصفها بالمقيدة للحريات الصومالي عمر أرتان حكماً للسوبر الأوروبي وزير الدفاع يعلن خطوة تجاه أسر الشهداء على متن 15 بصا سياحياً .. مئات السودانيين يودعون القاهرة اليوم أزمة وقود حادة تضرب كسلا ومحطات البنزين تتوقف عن العمل رشان تطلق مبادرة من داخل سجن بورتسودان عامل كهرباء يفجع أسرته بنبأ وفاته قبل اسبوعين من زفافه حكايات فنية من الخرطوم مقطع مصور يظهر جرحى مليشيا الدعم السريع من داخل مستشفى حدودي بإثيوبيا تتعرض لعملية محو ممنهجة .. تفاصيل صادمة بالنهود فرص نجاح جابر في محاصرة سعر الصرف توضيح عاجل من الداخلية المصرية بشأن فيديو لشاب سوداني بمترو العباسية بالصور .. آثار قصف مسيّرات مليشيا الدعم السريع على الأحياء السكنية ومنازل المواطنين بمدينة الأبيض الوجهة 24 تنشر عناوين الصحف البارزة لليوم الخميس دنيا سمير غانم سفيرة للنوايا الحسنة في احتفال رسمي لليونيسف

السودان وحش سياسي غير قابل للقيادة

السودان وحش سياسي غير قابل للقيادة 

بكري المدني يكتب..

كتب جيرارد برونييه:- العالم يتظاهر بأن السودان دولة خوفاً من الفوضى الإقليمية لكن الحقيقة على الأرض تشير إلى انهيار تام وفقدان الرابط الذي يجعل منه بلداً واحداً في كتابه دارفور (2005-2007)

ووصف السودان بأنه وحش سياسي غير قابل للقيادة” وأوضح أن السودان دولة دائمة الحرب مع نفسها لتقرر من هي وماذا يجب أن تكون، وهو وضع لم يره في دول أفريقية أخرى زارها التي تمتلك نواة وطنية صلبة رغم أزماتها.

قارن بين السودان وجيرانه موضحاً أن السودان “حالة خاصة” من الفشل الانتماء الوجداني للدولة غائباً تماماً لصالح القبيلة او الطائفة عقد جيرار برونييه مقارنة صريحة بين السودان ومصر (وكذلك إثيوبيا)، ليوضح لماذا يرى السودان حالة غير طبيعية ومختلفة وجدانياً عن جيرانه

عن مصر يرى برونييه أن مصر تمتلك هوية وجدانية صلبة تشكلت عبر آلاف السنين المواطن المصري، بغض النظر عن انتمائه السياسي لديه ارتباط وجداني عميق بمصر” ككيان وجغرافيا ونيل ومؤسسات الدولة في مصر هي الأم وهي المركز الذي لا يتجزأ.

يقول عن السودان يصفه بأنه بناء إداري حديث”وضعه الاستعمار (التركي ثم البريطاني). يرى أن السودان مساحة إدارية أكثر من كونه “كياناً وجدانياً حيث فشل في خلق ذلك الرابط التاريخي الذي يجعل المواطن يضحي من أجل الدولة كفكرة جامعة

يرى برونييه أن القاهرة في الوجدان المصري هي قلب الدولة النابض الذي يلتف حوله الجميع أما الخرطوم فيراها برونييه في الوجدان السوداني (خاصة في نظر الجنوب ودارفور الأطراف) كانت دائماً مركزاً استغلاليا ينهب الموارد ويفرض هويته هذا الرابط الوجداني مع العاصمة والمركز رابطاً قائماً على الخوف أو المصلحة، وليس على الانتماء والمحبة

لاحظ برونييه أن الدولة في مصر نجحت (تاريخياً وبيروقراطياً) في صهر الناس في قالب المواطن المصري في السودان يرى أن القبيلة ظلت هي الملاذ الوجداني والسياسي الوحيد وبما أن السودان يضم مئات القبائل المتنافرة، فإن الرابط الوجداني يظل محصوراً داخل القبيلة، ولا يتمدد ليشمل الوطن الكبير كما هو الحال في مصر

يشير برونييه إلى أن المصريين حتى في لحظات الانقسام السياسي الحاد (مثل 2011 و2013)، حافظوا على هيكل الدولة ومؤسساتها من الانهيار التام لأن الرابط الوجداني بالدولة كان أقوى من الخلاف بينما في السودان يرى بذهول كيف يتحول الخلاف السياسي سريعاً إلى حرب وجودية المتقاتلين لا يشعرون أن هذه المؤسسات تخصهم وجدانياً برونييه يرى أن السودان لا يشبه مصر لأن مصر أمة وجدت دولة بينما السودان دولة تبحث عن أمة ولم تجدها بعد هذا الفراغ الوجداني هو ما يجعل السودان في نظره عرضة للتفكك الدائم

نعم، هذا وصف دقيق جداً لما ذكره جيرار برونييه في مقارناته الصادمة. هو يرى أن السودان حالة “فريدة وسلبية” لا تشبه جيرانه أو الدول التي زارها وعاش فيها، وذلك لعدة أسباب جوهرية ذكرها في تحليلاته:

في دول مثل إثيوبيا أو حتى رواندا يرى برونييه وجود فكرة أو تاريخ يجمع الناس حتى لو اختلفوا أما في السودان فيقول إن الرابط الوجداني والوطني “مفقود” أو “هش لدرجة تجعل الدولة تبدو وكأنها مجرد مساحة جغرافية يسكنها أناس لا يجمعهم مشروع واحد لاحظ برونييه أن الشعوب في الدول الأخرى قد تتوحد ضد خطر خارجي بينما في السودان غالباً ما يتم الاستقواء بالخارج ضد الأخ في الداخل هذا التفكك الوجداني هو ما يجعله يصف الوضع بأنه غير طبيعي مقارنة بغيره

استغرب برونييه من حجم الدمار الذي يلحقه السودانيون بمدنهم ومؤسساتهم في الصراعات هو يرى أن المواطن في دول أخرى قد يثور على الحاكم لكنه يحافظ على هيبة الدولة بينما في السودان، الصراع يؤدي دائماً إلى محو الدولة من جذورها

يرى أن السودانيين “شعب اجتماعي” رائع (كرم، تكاتف أسري، شهامة) لكنهم لم يتحولوا بعد إلى شعب سياسي يمتلك عقداً اجتماعياً يحمي الدولة هذا التناقض بين رقي الفرد وفشل الدولة هو ما جعله يقول إن السودان لا يشبه أي مكان آخر زاره.

بمعنى آخر برونييه يرى أن السودان يعاني من فراغ في الروح الوطنية الجماعية مما يجعله عرضة للانهيار عند كل منعطف، على عكس الدول التي زارها والتي تمتلك حداً أدنى من (“الرابط الوجداني” )الذي يمسك أطرافها

الدول التي زارها أو عمل بها ارتبطت مسيرته المهنية والميدانية بشكل وثيق بعدة دول أفريقية زارها لإجراء بحوثه أو للعمل الأكاديمي والدبلوماسي، ومن أبرزها إثيوبيا رواندا السودان (وجنوب السودان) عُرف بخبرته الواسعة في ملف السودان، خاصة أزمة دارفور وانفصال الجنوب الكونغو الديمقراطية

الصومال (وجيبوتي وأرض الصومال) أوغندا وكينيا

يرى أن الدول التي تنهار فيها السلطة المركزية وتسيطر فيها القبلية الحادة على المشهد الوجداني والسياسي تنتهي إلى حروب بلا نهاية وتقسيم فعلي حتى لو ظلت دولة واحدة على الورق

والسودان دخل مرحلة التحلل الوجودي (التقسيم الفوضوي) نهاية السودان إذا لم يحدث معجزة سياسية ستكون ثقباً أسود في قلب أفريقيا مناطق مقسمة حروب أهلية لا تنتهي وغياب تام لمفهوم الدولة الوطنية لصالح التحالفات القبلية

في دراسته لرواندا أشار برونييه إلى أن الحرب الأهلية هناك انتهت بنصر عسكري كاسح لطرف واحد فرض سيطرته الحديدية وأعاد بناء هوية قسرية لكنه يرى أن هذا النموذج صعب التطبيق في السودان بسبب اتساع الجغرافيا وتعدد المجموعات المتناحرة مما يجعل أي محاولة للحسم العسكري تؤدي فقط إلى مزيد من التشظي درس برونييه كيف أدى “تجييش الهوية” (هوتو ضد توتسي) إلى انفجار مروع السودان يسير في طريق أخطر لأن رواندا دولة صغيرة يمكن السيطرة عليها أما السودان فهو انفجار في مساحة قارة مما يجعل إيقاف حربه الأهلية شبه مستحيل بمجرد وصولها لمستوى القبيلة ضد القبيلة

يعتقد برونييه أن نهاية الحرب في السودان قد تكون التقسيم الفوضوي أي أن تتوقف المدافع ليس لأن الناس تصالحوا، بل لأن كل مجموعة احتمت بجغرافيتها وقبيلتها، فنشأت “دويلات” غير معترف بها (مثل حالة صوماليلاند التي زارها وكتب عنها)، حيث ينتهي الرابط مع المركز تماماً وتدير كل منطقة شؤونها بنفسها

وصف برونييه الوضع في جنوب السودان بأنه تحول من حركة تحرر” إلى حكم عصابات أشار إلى وجود مافيا دبلوماسية كانت تدعم الحركة الشعبية وتمنع انتقادها في واشنطن مما سمح لهذا النظام بالاستمرار رغم فشله الذريع في توفير الأمن أو الخدمات لشعبه

برونييه لم يضع رقماً نهائياً لأن طبيعة الصراع في نظره ديناميكية وفوضوية لكنه يشير إلى أن السودان قد ينتهي عملياً إلى أربعة أو خمسة كيانات منفصلة دون أن تنال اعترافاً دولياً بالاجماع كدول مستقلة بمعنى السودان لن ينقسم بحدود واضحة بل سيتآكل وجدانياً وجغرافياً حتى يختفي كدولة موحدة ليصبح مجرد خريطة لمجموعات متناحرة تتصارع على الأنقاض .

قد يعجبك ايضا