تجدد الاشتباكات بين تيجراي والحكومة الإثيوبية.. هل تعود الحرب الأهلية من جديد؟
كتب- شريف ربيع
تجددت الاشتباكات مرة أخرى بين الجيش الإثيوبي ومقاتــلي الجبهة الشعبية لتحرير إقليم “تيجراي” شمال إثيوبيا يوم السبت الماضي، وهي تعد ثاني أكبر مواجهة بين الجانبين منذ توقيعهما اتفاق السلام قبل نحو أربعة أعوام؛ ما يثير مخاوفَ وقلقًا من اندلاع حرب جديدة بين الطرفين وعودة التوتر إلى واحدة من أكثر المناطق حساسية داخل إثيوبيا.
وقالت الجبهة الشعبية لتحرير إقليم “تيجراي”: “إن القوات الإثيوبية شنت صباح يوم السبت الماضي غارات على منطقة شيرارو شمال غربي إقليم تيجراي، دون ورود تفاصيل عن وقوع خسائر بشرية أو مادية “.
وقال إيمانويل أسيفا، الرجل الثاني في الجبهة الشعبية لتحرير إقليم “تيجراي”: “إن الحكومة الاتحادية شنت صباح يوم السبت الماضي هجومًا على قوات تيجراي في مدينة شيرينا شمالي البلاد”، موضحًا أن المواجهات التي تشهد استخدامًا للمدفعية الثقيلة تدور في غرب “تيجراي”؛ وهي منطقة خاضعة لإدارة جماعات قومية من ولاية أمهرة المجاورة.
واتهمت الجبهة الشعبية لتحرير إقليم “تيجراي” الجيش الاتحادي بارتكاب “انتهاكات ضد شعب تيجراي” لفترة طويلة و”تصعيد أعماله المدمرة إلى مستوى أعلى من خلال شن هجوم واسع النطاق للمشاة”.
ودعت حكومة “تيجراي” -عبر بيان لها- “سكانَ الإقليم في الداخل والخارج وقوات الأمن في الإقليم والقوى السياسية والمدنية، والمؤسسات الدينية والمجتمعية إلى رفع مستوى الاستعداد واليقظة، والعمل من أجل حماية ما وصفته بالوجود الوطني لشعب تيجراي”.
إشعال فتيل الأزمة
على مدى الأشهر القليلة الماضية ظلت القوات الاتحادية وقوات الجبهة الشعبية لتحرير إقليم تيجراي في حالة تأهب وحشد متبادل على امتداد الإقليم في شمال إثيوبيا، وسط اتهامات متبادلة بالسعي لإعادة إشعال الصراع من جديد. وتدور المعارك في غرب إقليم “تيجراي” وهي منطقة متنازع عليها تخضع الآن لسيطرة جماعات قومية تابعة لإقليم “أمهرة” المجاور. وتشهد المنطقة توترًا متواصلًا منذ عدة أشهر، بالتزامن مع تمركز قوات الجيش الإثيوبي وعناصر جبهة تحرير شعب “تيجراي” على خطوط التماس؛ مما يزيد مخاوف اتساع رقعة الصراع والمواجهات بينهما وتقويض اتفاق السلام.
وبعد مرور نحو ثلاثة أعوام على توقيع اتفاقية “بريتوريا للسلام” -الموقع في نوفمبر عام 2022م تحت رعاية الاتحاد الأفريقي- عادت المواجهات لتندلع بين الجيش الإثيوبي وقوات الجبهة الشعبية لتحرير إقليم “تيجراي” في منطقة تسيلمتي الحدودية يوم 26 يناير الماضي. وقد دخلت قوات الجبهة الشعبية -المتمردة على حكومة أديس أبابا- منطقة “تسيلمتي” شمال غربي الإقليم واشتبكت مع القوات الفيدرالية ومليشيات من إقليم “أمهرة” المجاور، ثم توغلت بعد ثلاثة أيام في بلدتي “كوريم، وألاماتا” الواقعتين في مقاطعة “رايا” المتنازع عليها جنوبي الإقليم ذاته.
وحينذاك ألغت الحكومة الفدرالية جميع الرحلات الجوية إلى المنطقة، ثم شنت غارتين بطائرات مسيرة في وسط إقليم تيجراي خلال يوم 31 من الشهر ذاته؛ مما أثار تحذيرات من أن استمرار القتال في الإقليم قد يُشعل فتيل حرب أهلية جديدة.
اتفاق “بريتوريا للسلام” أنهى الحرب التي استمرت لمدة عامين بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية ومقاتلي جبهة تحرير “تيجراي”؛ نتج عنها مقتل نحو 600 ألف شخص؛ لكن التأخير في تنفيذ بنوده بشكل كامل إضافة إلى وجود خلافات جوهرية حول نزع السلاح والترتيبات الإدارية والمناطق المتنازع عليها عمق الانقسامات السياسية داخل الإقليم؛ مما أدى إلى تجدد المواجهات العسكرية مرة أخرى بين الجانبين.
ووسط استمرار التصعيد بين الطرفين، وجه وزير خارجية إثيوبيا غيديون تيموثيوس رسالة إلى نظيره الإريتري عثمان صالح محمد في السابع من شهر فبراير الماضي، اتهم فيها أسمرا بدعم “الجماعات المتمردة” داخل إثيوبيا، وطالب إريتريا بسحب قواتها من الأراضي الإثيوبية وإنهاء كل صور التعاون مع “الجماعات المتمردة”، مشددًا أن تصرفاتها هذه ليست مجرد استفزازات، بل إنها تعد أعمال عدوان صريح.
وردت وزارة الإعلام الإريترية بعد يومين على تلك الادعاءات ووصفتها بأنها “محض كذب وافتراء”، وتندرج في إطار “دوامة من الحملات المعادية لإريتريا منذ أكثر من عامين”.
ودعت الجبهة الشعبية لتحرير إقليم تيجراي في شهر يونيو الماضي البعثات الدبلوماسية والاتحاد الأفريقي إلى التحرك من أجل معالجة خلافاتها مع الحكومة الفيدرالية. مؤكدة على لسان متحدثها ميكيلي أسجدوم “أن القيود المفروضة على إمدادات الوقود والأنشطة التجارية فاقمت الأعباء الاقتصادية على سكان الإقليم”.
وزار الممثل الأعلى للاتحاد الأفريقي لمنطقة القرن الأفريقي أولوسيغون أوباسانجو مدينة ميكيلي عاصمة إقليم تيجراي، على رأس وفد دولي ضم مبعوثين من أستراليا والمملكة المتحدة، والتقى مع رئيس الجبهة الشعبية لتحرير الإقليم دبرصيون جبر ميكائيل؛ من أجل تخفيف حدة التصعيد. وركزت المحادثات آنذاك على أولويتين: منع العودة إلى الحرب الأهلية، وتقييم تنفيذ اتفاق بريتوريا. رغم ذلك يبدو أن النزاع لا يزال قائمًا مع استمرار تجدد الاشتباكات بين حين وآخر.