المكبلون ..!!
المكبلون ..!!
الطاهر ساتي
:: تكليف أعضاء السيادي بالإشراف على الأجهزة التنفيذية خطأ دستوري؛ فالتوجيه يتحول سريعاً إلى تغول في التنفيذ..وقرار رئيس مجلس السيادة – في مايو 2025 – بإلغاء إشراف الأعضاء على الوحدات الحكومية يمثل اعترافاً رسمياً بفشل هذه التجربة، فما الجدوى من الإصرار على تكرارها اليوم..؟؟
:: الوثيقة الدستورية لا تمنح السيادي حق الحكم، بل تمنحه حق التوقيع، والتوقيع غير الحكم..فالشاهد على العقد ليس هو صاحب العقد، ولكن في بلادنا اختلطت الأختام، فصار من يُفترض أنه يمثل الدولة هو من يحكمها، وهذا انحراف دستوري مسكوت عنه..!!
:: فالوثيقة واضحة؛ إذ تقول لمجلس الوزراء: (أنت سلطة تنفيذية)، وتقول لمجلس السيادة: (أنت رأس الدولة)، ثم تقول لكليهما: (أنتم كل شيء)، بما في ذلك المجلس التشريعي.. وهكذا صار عندنا رأسان في جسد الدولة، وكل رأس يشد هذا الجسد إلى ناحيته، والنتيجة جسد لا يمشي ولا يقف..!!
:: يكفي أن الوثيقة صنعت واقعاً غريباً بالنص على أن التشريع -إلى حين قيام البرلمان- يكون باجتماع السيادي والوزراء، أي بالجمع بين الخصم والحكم، وبين من ينفذ ومن يراقب، وصارت الحكومة تشرع لنفسها، وتوافق لنفسها، وتصفق لنفسها.. ولا رقيب ولا حسيب ..!!
:: وليس من الرشد أن يدخل الوزير مكتبه بلا سلطة، وأن تكون الميزانية في مكان والشركات الإيرادية في مكان آخر، وأن يكون مطبخ القرار في مكان ثالث، ثم يلعن المواطن الوزير لأنه لم يوفر الخبز والوقود والدواء، في حين أن هذا الوزير المسكين منزوعة عنه سلطات التوفير وآلياته..!!
:: خذوا مثالاً: مجلس الوزراء يعلن سياسة الصادر والوارد، ثم يفاجأ بأن لجهة أخرى -في السيادي- سياسة أخرى.. ثم وزارة المالية تعلن ولايتها على المال العام، ثم تكتشف أن أموال شركات تعادل ميزانية دولة لا تمر عبرها، فكيف نحاسب وزيراً لا يملك ولاية على وزارته؟ هذا عبث إداري..!!
:: وفي خضم العبث، لا يعرف المواطن باب مَن يطرق؛ إن اشتكى من الغلاء قيل له: هذا ملف تنفيذي يخص الوزراء، وإن ذهب للوزراء قيل له: هذا ملف سيادي فوق طاقتنا، فتضيع حقوق المواطن بين مجلسين، وتضيع معه فكرة المحاسبة التي هي أساس الحكم الرشيد..!!
:: لا يمكن أن نختبر كفاءة طيار ونحن نربط يديه، ولا يمكن أن نحكم على سباح ونحن نكبله بحجر.. وهذا حال الوزراء اليوم، اتفقنا معهم أو اختلفنا، يعملون مكبلين بقيود مرئية وغير مرئية، ومن الظلم أن نطالبهم بالتحليق وهناك من يقص أجنحتهم، فالعدل يقتضي فك القيد أولاً..!!
:: والحل ليس سحرياً ولا يحتاج إلى عبقرية، فهو نص واحد واضح: يعود السيادي إلى القصر ضيف شرف يمثل الدولة في المحافل، ويعود مجلس الوزراء إلى مجلس الوزراء بكامل سلطاته يخطط وينفذ ويفشل وينجح ويُحاسب.. وما دون ذلك هو حرث في البحر، والبحر لا ينبت قمحاً..!!
:: ولا تنسوا أن بذرة هذه الحرب كانت دولة صنعها حميدتي داخل الدولة، ثم تمردت دولة حميدتي.. واليوم لا يخفى على ذوي البصائر أن لكل عضو في السيادي جزيرته المعزولة في الجهاز التنفيذي، وما لم نقتلع فكرة الجزر هذه، فإنها ستتحول إلى دول، كدولة حميدتي التي تمردت و خربت البلد..!!