أمّ المستشفيات ٠٠ عودة الحياة إلى مستشفى أم درمان التعليمي
علي يوسف تبيدي يكتب…
في زمن تتكاثر فيه التحديات وتضيق فيه مساحات الأمل ، تبرز بعض النماذج التي تُعيد الثقة في قدرة المؤسسات الوطنية على النهوض من تحت الركام ، ويأتي مستشفى أم درمان التعليمى ، أو كما يحلو للكثيرين تسميته بـ”أمّ المستشفيات”، مثالاً حيًّا على هذه الإرادة الصلبة التي رفضت الانكسار بعد الدمار الذي خلّفته الحرب.
لقد كانت الظروف التي أحاطت بالمستشفى بالغة التعقيد ، فالبنية التحتية تضررت ، والكوادر تشتتت ، والاحتياجات تضاعفت ، لكن القيادة الإدارية الجديدة بقيادة المدير الهمام المستر عبد المنعم على ، إستشاري أمراض الكلى والمسالك البولية ، استطاعت أن تمسك بزمام الأمور في لحظة حرجة. لم يكن التحدي مجرد إعادة تشغيل منشأة طبية ، بل إعادة بناء الثقة في مؤسسة ظلت لسنوات طويلة تمثل عمودًا فقريًا للخدمات الصحية في السودان.
في تقديري ان ما تحقق خلال فترة وجيزة يُعد إنجازا يُحسب لكل من ساهم في هذا التحول ، فقد استعادت أقسام الطوارئ والحوادث والإصابات نشاطها ، وعادت الخدمات الأساسية لتعمل بوتيرة متصاعدة ، بل إن المستشفى لم يكتفِ باستعادة ما كان موجودًا ، وإنما أضاف أقسامًا تخصصية جديدة مثل جراحة المناظير وأمراض الجهاز الهضمي ، وجراحة الصدر ، وجراحة الكبد البنكرياس ، إلى جانب قسم علاج الأورام والسرطان. كما يُنتظر افتتاح قسم الرنين المغناطيسي ، وهو ما يمثل نقلة نوعية في التشخيص الطبي داخل المستشفى.
وكذلك لا يمكن إغفال دور الدعم الذي جاء من الدولة والمنظمات الوطنية والأجنبية والمبادرات الشبابية الوثابة والخيريين ، حيث ساهم مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية في توفير أجهزة ومعدات طبية مهمة ، إضافة إلى مولد كهربائي كبير ومحطة أكسجين ، وهو دعم حيوي مكّن المستشفى من الاستمرار في تقديم خدماته دون انقطاع ، كما لعبت الشراكات الوطنية ، ومن بينها منظمة الكفاءات ، دورًا داعمًا في هذا المسار.
الامر اللافت أيضًا أن الإدارة لم تغفل جانب التدريب والتطوير ، فتم تأسيس قاعة للتدريب باعتبارها حجر الزاوية في تحسين الأداء ورفع جودة الخدمة ، كما أولت اهتمامًا واضحًا بالنظافة والجودة ، وهما عنصران أساسيان في أي مؤسسة صحية تسعى لكسب ثقة المرضى.
كما أن المستشفى استطاع أن يسير جزءًا كبيرًا من نشاطه عبر موارده الذاتية ، في خطوة تعكس حنكة إدارية ورؤية واقعية لإدارة الأزمات. ومع عودة الاستشاريين والأخصائيين والكوادر الطبية المختلفة ، شهدت الخدمات الطبية طفرة واضحة ، انعكست في رضا المرضى واستعادة المكانة العلمية للمستشفى ، حتى بات يستضيف امتحانات التخصصات الطبية كمركز تدريبي وتعليمي.
كما نظمت المستشفى عدد من المخيمات العلاجية في مجال جراحة العظام والمسالك البولية والمخ والأعصاب والجراحة العامة وغيرها من الأنشطة والفعاليات التي تخدم المرضي.
إن ما يحدث في مستشفى أم درمان التعليمي ليس مجرد إعادة تشغيل مؤسسة صحية ، بل هو رسالة أمل بأن السودان قادر على التعافي متى ما توفرت الإرادة والقيادة والدعم المجتمعي.
التحية لمدير المستشفى وطاقم إدارته ، والتحية لمجلس الإدارة الذي وقف سندًا لهذا المشروع ، والتحية لكل الكوادر الطبية التي اختارت أن تعمل في ظروف صعبة خدمةً للمواطن.
تبقى “أمّ المستشفيات” نموذجًا يحتذى ، ودليلًا على أن البناء ممكن حتى بعد أشدّ لحظات الدمار.