الوقود.. وخطر انهيار الدولة!
للعطر افتضاح
د. مزمل أبو القاسم
الوقود.. وخطر انهيار الدولة!
* وصلاً لما انقطع حول أزمة الطاقة والنهج العقيم الذي يتم به استيراد وتسعير الوقود حالياً نذكر اليوم أن التسعيرة الجديدة للجازولين في بورتسودان بلغت ستة آلاف وثلاثمائة جنيهاً للتر الواحد، بزيادة بلغت زهاء 54% عن السعر القديم، ليرتفع السعر الجديد في بعض الولايات لأكثر من سبعة آلاف جنيه!
* ستنعكس هذه الزيادات الهائلة سلباً على معاش الناس وستفاقم حدة الفقر والغلاء، لأنها رفعت أسعار النقل بأكثر من مائة في المائة، وجعلت أسعار كل السلع تلتهب في الأسواق، لتلهب ظهور ملايين السودانيين الذين أفقرتهم الحرب، بعد أن هجَّرتهم المليشيا ونهبت معظم أموالهم وممتلكاتهم!
* مفهوم قطعاً أن أزمة الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران وإغلاق مضيق هرمز أدت إلى حدوث عجز كبير في سوق النفط ورفعت أسعار الطاقة عالمياً، ومفهوم أن لا يظل سعر الوقود على حاله في السودان تبعاً لارتفاع أسعاره عالمياً، لكن من غير المعقول أن تشهد التسعيرة كل تلك الزيادات الهائلة، والأغرب من ذلك أن لا تفعل الحكومة أي شيء ولا تتخذ أي تدابير احترازية تخفف بها معاناة مواطنيها من الارتفاع الهائل في أسعار الوقود.
* رفعت كل دول العالم أسعار الوقود تبعاً لارتفاع أسعاره عالمياً، لكن دولاً كثيرة من حولنا اتخذت تدابير محددة قلصت بها من هامش الارتفاع، وفي مصر القريبة مثلاً زاد سعر لتر الجازولين بنسبة 14%، لتنحصر الزيادة في ثلاثة جنيهات فقط للتر الواحد، وعندنا في السودان تمت زيادة السعر بنسبة 54% تقريباً!
* تم تسعير لتر الجازولين في بورتسودان ب 6300 جنيهاً، وذلك يمثل سعر التوزيع في المستودعات وليس في محطات الخدمة، وستدخل عليه قيمة الترحيل، ورسوم إدارات البترول في الولايات، وهامش أرباح محطات الخدمة، ليفوق السبعة آلاف!
* حالياً بلغ سعر لتر الجازولين في مدينة عطبرة 7199 جنيهاً، وفي شندي ارتفع السعر إلى 7220 جنيهاً، بينما ارتفع في كسلا إلى 7644 جنيهاً، بزيادة تجاوزت 70%!
* أمس نشرت وزارة الطاقة جدول بواخر الوقود الراسية خارج ميناء بورتسودان في انتظار التفريغ، وبلغ 19 باخرة تقريباً، سيضطر غالبها إلى دفع غرامات التأخير في التفريغ (Demurrage) لأن تفريغ الباخرة الواحدة في بورتسودان يستغرق عادةً من يومين إلى ثلاثة، تزيد أحياناً بسبب عدم وجود مواعين كافية للتخزين، وذلك يعني أن تفريغ كل هذه البواخر قد يستغرق قرابة الشهرين وربما أكثر.. علماً أن قيمة الغرامة تتراوح بين 30 إلى 40 ألف دولار للباخرة الواحدة يومياً!
* عجز بعض المستوردين للبواخر المذكورة (من أصحاب الشركات الصغيرة) عن سداد قيمتها، وهم يبحثون حالياً عن شركاء كي يتمكنوا من السداد بعد أن تورطوا في دفع المقدم (10% في الحد الأدنى)، وذلك سيعني المزيد من غرامات التأخير التي ستدخل في حساب الكلفة النهائية للشحنات لاحقاً (وهي تفوق المليار دولار)، ليتحمل وزرها وكلفتها المواطن المسكين!
* هذا الوضع المشوه سيلقي بتبعات بالغة الخطورة على سعر صرف الجنيه، لأن استكمال سداد قيمة هذه البواخر وكلفة غرامات التأخير سيتم بعملات صعبة تُشترى من السوق الموازية (بعد أن ألغت السيدة آمنة ميرغني محافظ بنك السودان محفظة الوقود التي كانت توفر الدولار لشركات الوقود في عهد المحافظ السابق برعي الصديق بقرار غريب وغير مبرر)!
* ساهمت تلك المحفظة في المحافظة على سعر الصرف لفترة طويلة في عز زمن الحرب كما حافظت على سعر معقول للوقود، لأنها منعت الشركات المستوردة من شراء الدولار من السوق الموازية ووفرته لهم من المحفظة بسعر يقل عن سعر السوق السوداء بكثير، ولم يكن هناك ما يبرر إلغاء المحفظة بواسطة المحافظ الجديد، وها هي السيدة آمنة ميرغني تتفرج على الجنيه وهو يتلاشى، وتتفرج على سعر الدولار وهو يحلق في السماء الرابعة ليتجاوز أربعة آلاف جنيه وكأن الأمر لا يعنيها، مع أن المحافظة على سعر صرف العملة الوطنية يمثل أولى أولويات وقمة هرم مسئوليات البنك المركزي!
* آمنة (الفي الضمير ماذيانا) ما شفناها والجنيه ينسحق، والدولار يتضخم، والمواطن يئن تبعاً لتقلص القوة الشرائية للعملة الوطنية، خلافاً لسلفها برعي الذي كان يحرس قيمة الصرف بعكازٍ غليظ أكسبه آلاف الأعداء!
* الأمر نفسه ينطبق على رئاسة الوزراء التي ما زالت تتفرج أيضاً على الفوضى العارمة والعشوائية البالغة التي يدار بها ملف الوقود مع أنه يمثل أهم سلعة استراتيجية للدولة، من دون أن تتدخل لتضع أي تدابير تحافظ بها على سعر معقول للوقود وتمنع انهيار قيمة العملة الوطنية وتخفف معاناة المواطنين من حدة الفقر والغلاء!
* إذا تم السماح للشركات المستوردة بشراء قيمة بواخر الوقود المصطفّة في ميناء بورتسودان حالياً من السوق الموازية فسيرتفع سعر الدرهم إلى أكثر من ألفي جنيه، وسيفوق سعر الدولار سبعة آلاف جنيه خلال أقل من شهرين، وحينها سنقرأ الفاتحة على روح اقتصاد السوداني وعلى مواطني السودان على حد السواء!
* سقطت الإنقاذ عندما فشلت في المحافظة على سعر (الرغيفة) فارتفع من جنيه واحد إلى ثلاثة جنيهات، وحالياً وصل سعر القطعة 250 جنيهاً وسيزداد تبعاً للارتفاع المهول في قيمة الوقود.. وإذا استمر الوضع الحالي وتواصل ارتفاع سعر الوقود (والخبز) فسيتسبب في سقوط الحكومة وربما الدولة نفسها.. ألا قد بلغت.. اللهم فاشهد!