آخر الأخبار
لقاء الفريق الكباشي مع مسعد بولس .. هذه حقيقة ما حدث في القاهرة .. المركزي يؤكد جاهزيته لدعم انسياب عمليات الاستيراد من يربح واشنطن… يربح النصف الأخير من معركة السودان تفاصيل جديدة في قضية الفنان فضل شاكر مباحثات رفيعة بالخرطوم بين البرهان ومبعوث الاتحاد الأفريقي احتفالات واسعة بالدمازين عقب إعلان تحرير الكرمك ماذا تعني عودة الكرمك إلى حضن الوطن؟  ضبط 76 من مرتكبي الجرائم الليلية خلال مداهمات أمنية بكسلا الجيش يصدر بيان الجزيرة تفرض تصاريح مسبقة للأنشطة الدعوية داخل المساجد نجاة ركاب طائرة بدر من كارثة جوية السفير السوداني بالقاهرة يشيد بأداء المنتخب المصري في كأس العالم 2026 الكرمك حرة السلطات الأمنية تفتح تحقيقاً في مجزرة دارعقيل وتشيّع الضحايا مقتل أسرة كاملة في استهداف بمسيّرة للمليشيا على طريق الصادرات سوداني تتوعد رعب في مخيم قوز السلام بعد روايات عن هجوم حيوان غريب أول تصريح لمدير "أرياب" السابق عقب إحالته للتقاعد الوجهة 24 تنشر عناوين الصحف البارزة لليوم الأربعاء دبابة مهجورة أمام منزل مواطن بالخرطوم

من يربح واشنطن… يربح النصف الأخير من معركة السودان

كابتن طيار عادل المفتي .. يكتب ….

 

قد تنتصر دولة في الميدان… ثم تخسر كل شيء على طاولة السياسة.

 

هذه ليست مبالغة، بل حقيقة تؤكدها تجارب التاريخ. فالحروب الحديثة لا تُحسم بالبندقية وحدها، وإنما تُحسم أيضاً بما لديك من جزرة في باطن الأرض وما فوقها ، وبما حباك به الله من وسائل الترغيب والترهيب الجيوسياسي ، و داخل البرلمانات، وفي مراكز صناعة القرار، ووسائل الإعلام، وشركات الضغط السياسي. ومن ينجح في كسب الرأي العام العالمي، ويغري الطرف الآخر، يكسب نصف المعركة قبل أن يُطلق الرصاص الأخير.

 

وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه السودان اليوم.

 

بينما يخوض الجيش السوداني معركته على الأرض، والتقدم المحسوس داخليا واقليميا وعالميا في معركته مع مليشيات الدعم السريع ، تدور في الوقت نفسه معركة أخرى لا تقل خطورة داخل واشنطن، حيث تُصاغ القوانين، وتُناقش العقوبات، وتُرسم السياسات، وتُبنى المواقف التي سيكون لها أثر مباشر على مستقبل السودان وعلاقاته الخارجية واقتصاده وحتى فرص السلام فيه ، وهذه المواقف جميعا متوقفه علي شطارتنا في الترغيب والهبوط الذي نتحكم فيه بدون الطيار الآلي وبدون التفريط في السيادة .

 

لقد شهد الكونغرس الأمريكي خلال الفترة الماضية تحركات مهمة، عندما تقدم أعضاء بارزون من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، يتقدمهم السيناتور الجمهوري جيم ريش، والسيناتور الديمقراطي بن كاردين، والسيناتور كوري بوكر، بمشروعات قوانين وقرارات وصفت الانتهاكات المنسوبة إلى قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها في دارفور بأنها ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، مع المطالبة بمحاسبة المسؤولين عنها، ودعم جهود العدالة الدولية، وتشديد العقوبات على المتورطين.

 

وفي تطور آخر لا يقل أهمية، حذفت لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي البند الذي كان يدعو إلى نزع شرعية الحكومة السودانية من مشروع قانون الانخراط الأمريكي في السلام السوداني. قد يراه البعض تعديلاً بسيطاً، لكنه في عالم السياسة يحمل دلالة كبيرة، لأنه يعكس أن هناك من استطاع أن يقدم رواية مختلفة داخل دوائر صنع القرار الأمريكي، وأن السودان لا يزال قادراً على التأثير عندما يُحسن إدارة معركته السياسية.

 

هذه التطورات تؤكد أن واشنطن لا تنظر فقط إلى ما يجري في الميدان، وإنما تتابع أيضاً ما يُقدم إليها من معلومات، ووثائق، وشهادات، وتقارير. ولذلك فإن معركة السودان اليوم لم تعد معركة عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة رواية، وقانون، ودبلوماسية، وتأثير سياسي.

 

ومن الإنصاف أن نقول إن ما تحقق لم يكن وليد الصدفة. فالدفعة القوية التي قدمها سمو ولي العهد السعودي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان عند لقائه الرئيس الأمريكي ترامب كانت بداية فتح للأبواب الموصدة ، وشرح لأزمة السودان بأبعادها الحقيقية ، ولا ننسي أيضا أن البعثة السودانية لدى الأمم المتحدة، بقيادة السفير الحبيب الحارث إدريس، التي بذلت جهوداً دبلوماسية مقدرة في شرح موقف السودان داخل المحافل الدولية، والدفاع عن مصالحه، وإيصال وجهة نظر الحكومة السودانية إلى المجتمع الدولي. كما لعب أبناء الجالية السودانية في الولايات المتحدة، وعدد من الأكاديميين والباحثين والإعلاميين والناشطين الوطنيين، دوراً مهماً في التواصل مع أعضاء الكونغرس، ومراكز الدراسات، ووسائل الإعلام الأمريكية، لتقديم معلومات ووثائق ورواية تستند إلى الوقائع.

 

هذه الجهود تستحق الإشادة، لكنها يجب ألا تبقى جهوداً فردية أو مرتبطة بالأزمات. فالسودان اليوم بحاجة إلى لوبي وطني محترف ودائم في الولايات المتحدة، يعمل بصورة مؤسسية، ويخاطب الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ويبني علاقات مستمرة مع مجلسي الشيوخ والنواب، والإدارة الأمريكية، ومراكز الأبحاث، ووسائل الإعلام المؤثرة، ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات المؤثرة إعلاميا كانت ام سياسية ورجال أعمال وشركات كبري تضع السودان من ضمن اولوياتها المستقبلية .

 

علينا أن نعترف أيضاً بأننا نواجه معركة غير متكافئة. فهناك أطراف تمتلك إمكانات مالية وإعلامية ضخمة، وتستثمر في شركات الضغط السياسي والعلاقات العامة، وتسعى إلى التأثير في الرأي العام الغربي، وفي القرارات التي تصدر عن البرلمانات والحكومات. وفي مثل هذه المعارك، قد تُستخدم الأموال، والإعلام، والاتصالات السياسية، لتقديم روايات منحازة أو للتأثير في صناعة القرار بما يخدم مصالح تلك الأطراف. ولهذا فإن ترك الساحة خالية ليس خياراً، بل خطأ استراتيجي يدفع السودان ثمنه.

 

لكن في المقابل، فإن الحقيقة عندما تُدعم بالوثيقة، وتُعرض باحترافية، وتصل إلى المؤسسات الصحيحة، تستطيع أن تُحدث فرقاً حقيقياً. وهذا ما أثبتته التطورات الأخيرة داخل الكونغرس الأمريكي.

 

يجب أن نفهم أن الأمريكيين لا يتخذون قراراتهم على أساس العواطف، وإنما بلغة المصالح، وسيادة القانون، ومكافحة الإرهاب، وحماية المدنيين، والاستقرار الإقليمي، والحقائق الموثقة. فإذا أردنا أن نؤثر في واشنطن، فعلينا أن نخاطبها بلغتها، لا بلغتنا نحن.

 

وبالبلدي كده .. وببساطة شديدة …

 

معركة السودان اليوم ما عسكرية وبس. دي بقت معركة سياسة، ومعركة إعلامية ، وقانون، ولوبيات. وإذا نحن ما مشينا للعالم بروايتنا نحنا ، العالم حيسمع رواية غيرنا. خاصة إذا قروشهم كتيرة ، وإذا ما كان عندنا وجود مؤثر في واشنطن، حتستمر القرارات البتأثر على السودان وهي بتتخذ من غير ما يكون صوتنا حاضر بالقوة المطلوبة.

 

السودان مليان كفاءات في أمريكا، وفي أوروبا، وفي كل أنحاء العالم. المطلوب هو تحويل هذه الطاقات الوطنية دي إلى عمل مؤسسي دائم، يخاطب الكونغرس، والإدارة الأمريكية، ومراكز الدراسات، والإعلام، بنفس اللغة التي تُصنع بها السياسات. لأن معركة اليوم لا تكسبها البنادق والمسيرات وحدها، وإنما تكسبها أيضاً الكلمة، والوثيقة، والعلاقات، والوجود المستمر.

 

وفي النهاية، يبقى هدفنا الأكبر هو أن يتوقف نزيف الدم السوداني. فلا مستقبل لهذا الوطن إلا بالسلام، ولا يمكن أن تستمر معاناة المدنيين إلى ما لا نهاية. وإذا كانت هناك فرصة حقيقية لإنهاء الحرب، فإن الطريق يبدأ بالالتزام الجاد بما تم الاتفاق عليه في منبر جدة، فهو المخرج وتنفيذ الالتزامات المتعلقة بحماية المدنيين، ووقف الانتهاكات، وتهيئة المناخ لحل سياسي يحفظ وحدة السودان وسيادته.

 

فالسودان اليوم لا يحتاج فقط إلى الانتصار في الميدان، بل يحتاج أيضاً إلى الانتصار في السياسة، والدبلوماسية، والإعلام، والرأي العام العالمي. فكما نحمي حدود الوطن بالسلاح، يجب أن نحمي مصالحه بالكلمة، والعلاقات، والعمل المؤسسي.

 

لأن من يربح واشنطن… لا يربح أمريكا فقط، بل يربح نصف معركة السودان

 

قال تعالي :

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ،، صدق الله العظيم ..

 

 

 

قد يعجبك ايضا