آخر الأخبار
عفو رئاسي عن قيادات قحت انهيار منازل ومحلات تجارية غربي الجزيرة الكشف عن آخر تطورات صيانة كهرباء سد مروي تصاعد التوتر في كاودا... حركة الحلو تعتقل 6 عاملين في المجال الإنساني مناوي: نريد سوداناً لا يبنى على الإقصاء والإنتقام إتفاق جوبا … هل أصبح السلام فوق الشعب؟ ولا العافية درجات؟ والي الخرطوم يتعهد بالوقوف مع أي معلم يتعرض للعنف مبارك الفاضل يحذر من إقامة حوار داخل السودان الكشف عن مقابر جماعية لـ 25 مدنياً أعدمتهم المليشيا بالكرمك "بنكك" وكلمة المرور .. من المسؤول؟ عبد الرحيم يأمر بإعتقال عمدة دقريس عقب نصحه له بتسليم نفسه للجيش اللجنة الخاصة بالتحضير لتبادل المحتجزين تقف على آخر الترتيبات ظهور سوق لبيع الثلج "قدّر ظروفك" في الكلاكلة زعيم قبيلة الأطورو يكيل الاتهامات لحركة الحلو البرهان يقود مشاورات مع قوى سياسية وتحركات لإسقاط اتهامات بحق معارضين وزير الدفاع يتوجه إلى جوبا إنذار برتقالي يحذر من هطول أمطار غزيرة في عدد من المناطق الوجهة 24 تنشر عناوين الصحف البارزة لليوم الأحد تفاصيل مثيرة في كواليس إقالة وزير الإرشاد بشير هارون الشرطة تحسم جريمة قتل هزّت سوق بروس

إتفاق جوبا … هل أصبح السلام فوق الشعب؟ ولا العافية درجات؟

إتفاق جوبا… هل أصبح السلام فوق الشعب؟ ولا العافية درجات؟

 

كابتن طيار عادل المفتي

 

هناك أسئلة سياسية لا يجوز أن نخاف من طرحها، مهما كانت حساسية المرحلة.

 

ومن أخطر هذه الأسئلة اليوم:

 

هل جاء اتفاق جوبا ليبني الدولة السودانية، أم أصبح قيداً على الدولة ومؤسساتها؟

أنا لست ضد السلام، ولا ضد الحركات المسلحة، ولا أنكر تضحياتها ونضالها الطويل من أجل قضايا عادلة. بل أؤمن أن السلام الحقيقي هو الطريق الوحيد لبناء سودان مستقر.

 

لكن يجب أن نقول الحقيقة بوضوح:

السلام لا يعني أن تصبح الاتفاقية فوق الدولة، ولا أن يصبح الوزير فوق المحاسبة، ولا أن يفقد رئيس الوزراء حقه في إدارة حكومته.

 

وأذكر هنا واقعة لا أنساها.

 

في اجتماع ضم ممثلين للمجلس المركزي للحرية والتغيير ووفد حزب الأمة القومي ايام الثورة ، وكنت ضمن وفد الحزب بصفتي الأمين السياسي، دار نقاش حول عودة حزب الامة القومي الي المجلس المركزي ورفع تجميد الحزب عضويته في المجلس ، مع عودة الجميع إلى منصة التأسيس وإعادة هيكلة الحرية والتغيير، ثم سألت بعدها اثناء النقاش عن اتفاق جوبا: كيف تم؟ ومن شارك فيه؟ وهل كانت القوى التي تمثل الثورة شريكة فعلاً في صياغته واتخاذ القرار بشأنه؟

 

كان رد الأخ كمال بولاد، مقرر المجلس المركزي للحرية والتغيير ، يا كابتن نحن لم نشارك في الاتفاق.

 

فجاء اعتراض الأخ طه عثمان غاضبا قائلا ؛ بأنهم شاركوا كيف تقل أننا لم نشارك ؟ وما بين اصرار طه عثمان بالمشاركة ونفي مقرر المجلس المركزي ، أصابني ذلك بالاندهاش والاستغراب لما حدث امامي .

 

وقد يبدو الأمر مجرد خلاف في وجهات النظر، أو ترتيبات ادارية ، لكنه بالنسبة لي كان يكشف سؤالاً أكبر بكثير:

 

إذا كانت القوى التي يفترض أنها تمثل الثورة نفسها تختلف حول من شارك ومن فوّض، فأين كان الشعب السوداني من هذا الاتفاق؟ او كما يقال ؛ الاتفاق كان عرابه حميدتي ومنسقه التعايشي ومفتاحه عند طه عثمان يعني بالدارجي كما يقال ؛ ( زيتنا في بيتنا )

 

وهنا لا بد أن نكون واضحين:

 

اتفاق جوبا له إيجابيات لا يمكن إنكارها، وفي مقدمتها وضع حد للحرب وفتح باب المشاركة السياسية أمام قوى كانت تحمل السلاح.

 

لكن أي اتفاق سياسي له إيجابيات وسلبيات، والواجب الوطني أن نناقش الاثنين معاً.

 

لا توجد اتفاقية فوق النقد، ولا يوجد سلام حقيقي يخاف من المراجعة.

 

واليوم تظهر المشكلة بصورة أكثر وضوحاً.

 

عندما يعفي رئيس الوزراء وزيراً فتقوم أزمة سياسية لأن الوزير جاء عبر اتفاق السلام، فالمسألة لم تعد مسألة وزير.

 

المسألة أصبحت: من يحكم السودان؟

 

إذا كان رئيس الوزراء مسؤولاً أمام الشعب عن أداء الحكومة، فمن حقه أن يختار وزراءه، وأن يقيم أداءهم، وأن يحاسبهم، وأن يعفي من يرى أن أداءه لا يحقق المصلحة العامة.

 

وإذا كان الوزير محصناً من الإعفاء بحكم اتفاق سياسي، فكيف نحاسب رئيس الوزراء على حكومة لا يملك حق إدارتها؟

 

المسؤولية يجب أن تقابلها سلطة.

 

ومن لا يملك سلطة الاختيار والمحاسبة، لا يمكن أن نطالبه وحده بنتائج الحكومة.

 

هذه ليست ديمقراطية… هذه محاصصة.

 

والسودان لا يحتمل أن تتحول المحاصصة المؤقتة إلى نظام دائم للحكم.

 

الحركات المسلحة ناضلت، وقدمت تضحيات، ولها حقوق يجب احترامها.

 

لكن احترامها لا يعني وضعها فوق الدولة وفوق الكل.

 

والإعتراف بتضحياتها لا يعني إعفاءها من النقد.

 

والسلام معها لا يعني أن تصبح المناصب حقاً دائماً لا يخضع للكفاءة أو الأداء.

 

لقد قاتل السودانيون من أجل دولة عادلة، لا من أجل استبدال مركزية قديمة بمراكز نفوذ جديدة.

 

الحل، المؤقت في رأيي، ليس في إلغاء اتفاق جوبا، ولا في إقصاء الحركات المسلحة، ولا في كسر السلام. ولكن في اعطائها فرصة أولى في اختيار الوزير المناسب فان نجح خير وبركة وان لم ينجح يستبدل ويحاسب ولن يكون قابل للتبديل والاستبدال .

 

الحل الأهم والدائم في حوار سوداني ـ سوداني عاجل وحقيقي، يضع كل شيء على الطاولة: اتفاق جوبا، الوثيقة الدستورية، شكل الحكومة، صلاحيات رئيس الوزراء، حقوق الحركات، والإطار الذي يحكم العلاقة بين اتفاق السلام ومؤسسات الدولة.

 

ثم يأتي المجلس التشريعي الحقيقي، ليعيد للشعب صوته، ويراجع التشريعات والوثائق، ويضع حداً لهذه المنطقة الرمادية التي أصبح فيها الجميع مسؤولاً ولا أحد يملك القرار كاملاً.

 

مراجعة اتفاق جوبا ليست خيانة للسلام.

 

بل قد تكون هي الطريق لإنقاذ السلام من أن يتحول إلى مصدر جديد للصراع.

 

نحن نريد حكومة يحاسبها الشعب.

 

نريد رئيس وزراء يملك صلاحية إدارة حكومته.

 

نريد وزيراً يحاسب على كفاءته ونزاهته وأدائه، لا على الجهة التي جاء منها.

 

ونريد دولة تكون فيها المؤسسات أقوى من الأشخاص، والقانون أقوى من الاتفاقات السياسية، والمواطنة أقوى من الانتماء الحزبي أو الجهوي.

 

فالسودان ليس ملكاً للحركات المسلحة.

 

وليس ملكاً للحرية والتغيير.

 

وليس ملكاً للقوات المسلحة .

 

وليس ملكاً لأي حزب أو زعيم.

 

السودان ملك لشعبه.

 

والشعب الذي خرج في الثورة لم يخرج ليستبدل محاصصة بمحاصصة، ولا ليخرج من دولة الحزب الواحد إلى دولة الأطراف المتعددة.

 

خرج من أجل دولة مؤسسات، وعدالة، وحرية، وديمقراطية، وحكومة يستطيع أن يحاسبها.

 

ولهذا يجب أن نقولها الآن، قبل أن تتعقد الأزمة أكثر:

 

إما أن نضع اتفاق جوبا داخل الدولة، أو سنجد الدولة نفسها رهينة لاتفاق جوبا.

 

وإما أن يكون السلام جسراً إلى الدولة، أو يتحول إلى جدار يفصل الشعب عن حقه في اختيار ومحاسبة من يحكمه.

 

وهنا يجب أن نختار.

 

نحن لا نريد إسقاط السلام… نريد إنقاذه.

 

ولا نريد إسقاط الحركات… نريد أن تنتقل من منطق السلاح إلى منطق الدولة.

 

ولا نريد إضعاف الحكومة… نريد حكومة قوية بمؤسساتها، لا بأشخاصها.

 

ولا نريد إقصاء أحد… نريد أن يكون السودان أكبر من الجميع.

 

فإذا لم نمتلك الشجاعة لمعالجة هذه الأزمة الآن، فقد يأتي يوم لا نسأل فيه:

 

من يحكم السودان؟

 

بل نسأل السؤال الأكثر وجعاً:

 

هل بقي في السودان شيء اسمه دولة؟

 

ولا العافية درجات؟

 

قال تعالي : 

 

﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾

‏ صدق الله العظيم 

 

٩ اغسطس ٢٠٢٦ م

قد يعجبك ايضا