نيران الفتنة..!!
نيران الفتنة..!!
الطاهر ساتي
:: كثيرةٌ هي قضايا البلد، ثم إن المزاج السوداني لا يحب “اللَّت والعجن”، أي تكرار الكلام في موضوع، ولذلك اكتفيتُ بما كتبته في زاويتين سابقتين عن راتب ومخصصات محافظ بنك السودان، آمنة ميرغني، وقررتُ التوقف، باعتبار أن الرسالة وصلت، تاركاً “فرقة حسب الله” في تبريراتها غير المنطقية، ومقارناتها غير العادلة، وتهريجها الفارغ..!!
:: ولكنني تفاجأتُ بتصريحٍ غريبٍ لوزير التجارة الأسبق حاتم السر لموقع “قناة الحدث”، إذ قال أن المخصصات لا تستحق هذه “الزوبعة”، وأنها أقل من مخصصات نظرائها ببعض الدول، ثم حذّر من إشعال نيران الفتنة في الوسط المالي والاقتصادي..ومن كل هذا التصريح لم يُثر انتباهي غير ما أسماه “إشعال نيران الفتنة في الوسط المالي والاقتصادي”..!!
:: دفاع حاتم عن مخصصات المحافظ لم يستفزني، بل ذكّرني بأشعب الذي مرّ يوماً بصانع أطباق، فوقف عنده وأمره بتكبير سعة الطبق، ففرح الصانع ظناً منه أن أشعب يريد شراء طبق، ولكن أشعب خيّب ظنه بقوله: “لعل أحداً يشتريه منك ويهدي إليّ هدية فيه”..وربما يأمل حاتم أن يصبح محافظاً للبنك المركزي، كما كان وزيراً للتجارة، ثم يجد طبق المخصصات واسعاً..!!
:: فالمدهش في تصريح حاتم هو تحذيره مما أسماه “إشعال نيران الفتنة في الوسط الاقتصادي”، لأن الحديث عن أداء مرافق الدولة، لا يعتبر إشعالاً لنيران الفتنة، بل يعتبر من حقوق الشعب، طالما التزم المتحدثون بالحقائق و الموضوعية.. وحاتم لا يعلم أن الغاية من نقد المؤسسات هي تقويم الأداء وحماية المال العام، وليس إشعال نيران الفتنة..!!
:: ثم إن الحديث عن مخصصات المسؤولين بالدولة لا يعتبر إشعالاً للفتنة، بل نوع من الممارسات الديمقراطية، وحق مكفول لكل ذي لسان وشفتين، وذلك في إطار حرية التعبير والمطالبة بالحكم الراشد..رواتب المسؤولين ومخصصاتهم هي في الأصل ضرائب المواطن وموارد وطنه، وللمواطن لحق في معرفة كيف تُنفق ضرائبه وموارد وطنه، فأين نيران الفتنة؟؟
:: قد لايعلم حاتم أن من حق الشعب قياس مدى تناسب رواتب المسؤولين ومخصصاتهم مع الوضع الاقتصادي للدولة ومستوى دخل المواطن، وهذا القياس من الأدوات الأساسية لترسيخ العدالة الاجتماعية وإزالة الفجوات الطبقية.. وحتى شعور المواطن بأن المعاناة تُوزع بشكل عادل يعزز التلاحم وتماسك الجبهة الداخلية ويقلل من الاحتقان..!!
:: نيران الفتنة ليست في أن تكون فوارق الأجور بين المسؤولين والمواطنين “منطقية”، بل نيران الفتنة في استمتاع المسؤول بكل موارد الدولة ليتعذب المواطن بالحرمان.. رجل في عمر وتجربة حاتم السر كان يجب أن يطالب بإصلاح نظام الأجور، بحيث لا يتسبب في خلق الغبائن في نفوس العاملين بالدولة، بدلاً عن السعي لتكميم الأفواه بهذا التحذير الفطير..!!
:: ولو يرى حاتم أن في كشف مخصصات المحافظ إشعالاً لنيران الفتنة، فلتشتعل..وللمزيد من الاشتعال نطالب وزير المالية والمراجع العام بكشف مرتبات ومخصصات كل مسؤول مصدر راتبه ومخصصاته ضرائب المواطن وموارد وطنه..نعم،كم راتب ومخصصات البرهان وكامل وأعضاء حكومتهما؟، فالسؤال مشروع، والإجابة ليست اختيارية، بل هي من حقوق الشعب..!!
:: وبالمناسبة، عندما يقارن حاتم و أعضاء “فرقة حسب الله” مخصصات محافظ بنك السودان بمخصصات نظرائها في الدول الأخرى، يجب أن نسألهم: كيف عرفوا مخصصات نظرائها بتلك الدول؟، هل كشفها الطاهر ساتي أيضاً؟، لا طبعاً.. عرفوها لأن الدول من حولنا لم تعد تخفي مرتبات ومخصصات مسؤوليها.. وعليه، فليطالبوا الحكومة هنا بالارتقاء إلى مستوى وعي ومسؤولية حكومات تلك الدول..!!