آخر الأخبار
«العدل والمساواة» ترحب بالحوار السوداني بشروط أمطار غزيرة تضرب القضارف الغلاء .. مِنك وليك أين المفر؟  الحكومة السودانية ترد بشأن مزاعم إستخدام السلاح الكيميائي الوجهة 24 تنشر عناوين الصحف البارزة لليوم الأربعاء بيان عاجل من مجلس الجامعة العربية بشأن السودان إعلان بالنشر عن متهم هارب في قضية أمام نيابة الجرائم الموجهة ضد الدولة تحذير سوداني من تسييس عمل مجلس حقوق الإنسان بيان لرابطة علماء المسلمين بشأن تطورات الأوضاع في اليمن المركزي يلوّح بتصفية المصارف المتعثرة إزالة أجزاء آيلة للسقوط من برج التأمينات الإسلامية بالخرطوم تحركات لفتح أسواق جديدة أمام صادرات اللحوم السودانية الشرطة تفكك نشاطاً مشبوهاً بالدامر عقوبات أمريكية تمتد إلى شركات في الإمارات ودول أخرى أدلة جديدة أمام مجلس حقوق الإنسان بشأن استهداف الأبيض بالمسيّرات شمال كردفان تطالب بتوثيق ومحاسبة مرتكبي قصف محاكم أم روابة رؤية الخرطوم للإعمار والتطوير على طاولة مؤتمر المدن العربية أنباء عن اعتقال الكاتب الصحفي عطاف محمد مختار في القاهرة أطباء بلا حدود تحذر البرهان يعتمد نتيجة إمتحانات الشهادة السودانية ووزير التربية يحسم الجدل بإعلانها بعد غد الخميس 

الغلاء .. مِنك وليك أين المفر؟ 

عزمي عبد الرازق يكتب…

لن تجد ملمحاً مؤلماً في سودان ما بعد التحرير أفظع من الغلاء، تحاصرك الشكوى من كل مكان، في العاصمة والولايات، وقد هالني ما رأيت حين تجولت في الأسواق، المتاجر، الصيدليات، المستشفيات، والكافيهات. ولا أعرف كيف تصارع أسرة محدودة الدخل هذا الغول المتوحش، ولا أحتاج أن أذكّر الناس بمعاناتهم، أو أرصد لكم أسعار السلع والخدمات، لأنها في تغيير يومي، وحين تسأل عن طن الأسمنت، أو كيلو السكر، أو أسطوانة الغاز، سوف يكون الرد عليك بمفارقة فاقعة: «قبل السؤال أم بعد السؤال؟»، لأن الأسعار هنا مثل ثروة إيلون ماسك، تتغير بين الفينة والأخرى.

صحيح أن الحرب قضت على الموارد، وأننا جميعاً تحت دائرة حصار اقتصادي يريد أن ينال منا بالدولار والدرهم ما لم ينله بالبندقية، وهو أمر متوقع، ولكن ما هي الخطة الوطنية لمكافحة الفقر، الغلاء؟ لأن حربه أشد ضراوة، وكان الإمام علي بن أبي طالب يبتغي قتله حال تجسد له رجلاً، فما بالك بمن أفقره الجنجويد، و«شفشفوا» كل ما بناه بعرق السنين، وسرقوا أحلامه، أحلامنا، وتبدل حال الناس من وفرة إلى ضيق، وجرت عليهم المقادير، حتى إنه، كما غنى عقد الجلاد من تجليات ود الرضي في الأهلية: «طال الكان قصير والعالي إتاحت».

ثمة محاولة لإضاءة شمعة قامت بها وزارة الصناعة، أو ربما هي في طور التجريب، لمكافحة الغلاء المتزايد، والحد من تدهور القوة الشرائية للمواطنين، وحماية الاقتصاد بعد الدمار الكبير الذي لحق بالبنية التحتية والمصانع. ويهمنا فيها مبادرة «أسواق البيع المخفض» بالولايات، والهدف منها كسر حلقات الوساطة والمضاربات بين المنتج والمستهلك لتقليل الأسعار.

ولكن هل نجحت المبادرة، وغطت أكبر رقعة جغرافية تئن من وجع الأسعار وجشع التجار؟ وهل المشكلة في التجار، أم في الرسوم والضرائب المفروضة على الواردات، أم في الجنيه الذي يعاني من نزيف متجدد؟

من المهم الطرق بقوة على كيفية توفير بدائل محلية رخيصة للسلع المستوردة، وزيادة المعروض في السوق، دون تقليل من حجم المشكلة، لأن التدمير الذي طال البنية الصناعية يقدّر بنحو 58 مليار دولار، وهو مأزق الاقتصاد اليوم. ولكن يمكن البحث عن بدائل مؤقتة، والعمل على خطة إسعافية وأخرى استراتيجية في نفس الوقت، وإعفاء بعض السلع من الرسوم والضرائب والجمارك، كما حدث مع الدقيق الأيام الماضية، حيث أصدر والي الخرطوم قراراً عاجلاً بإعفاء جميع المخابز في الولاية من الرسوم المحلية والولائية والإدارية والخدمية حتى نهاية العام الجاري. جاء هذا التحرك المباشر والاتفاق، بالتنسيق المشترك مع وزارة الصناعة والتجارة الاتحادية، لمواجهة الارتفاع المفاجئ في أسعار مدخلات الإنتاج وتراجع الجنيه، وضمان استمرار توفير الخبز للمواطنين بالأسعار القديمة دون زيادة.

من الحلول الأخرى الممكنة فتح ممرات تجارية آمنة، وتسهيل حركة السلع والمنتجات الزراعية والحيوانية بين الولايات، لضمان عدم احتكار السلع في مناطق دون أخرى، ومحاصرة التجارة الموازية «الأسواق السوداء». إلى جانب توفير التمويل للموسم الزراعي في ولاية الجزيرة تحديداً، وعلى وزير المالية أن يضع نفسه في موقع المسؤولية، ويتخللى عن هذا البرود وعدم المبالاة، ويقوم بعمليات التمويل، دون مماطلة، لشراء الوقود للري بعد شح الأمطار، وتوفير المعينات الأخرى للمشروعات الزراعية، وهي الخيار العملي الوحيد الآن لتجاوز الحصار وآثار الحرب.

لا ضير أيضاً في فتح الاستيراد لبعض السلع المحظورة، واحتكار توريد بعض السلع الاستراتيجية، تحديداً الوقود، ليصبح تحت إشراف مؤسسات الدولة، بحيث تتولى الحكومة السيطرة على التجارة الخارجية الرئيسية، عبر المؤسسات العامة، كالحبوب الزيتية، والجلود، والصمغ العربي، واللحوم، والقطن، والمعادن. وبهذا تستطيع أن تضبط حركة المضاربة بالدولار، وتوظف الذهب بصورة ذكية ومركزة في امتصاص السوق الموازي، وتقليل الفجوة بين العرض والطلب، كما أشارت إلى ذلك ورقة الفاخر التي عرضتها هنا بالتفصيل.

عموماً، تظل تجارب الدول التي واجهت شبح انهيار العملة والتضخم الفلكي بمثابة منارات اقتصادية يمكن استلهامها في الظرف السوداني الراهن، وتبرز في هذا الصدد تجربتان تاريخيتان نجحتا في تحويل الكارثة إلى استقرار مستدام.

في تسعينيات القرن الماضي، عانت البرازيل من تضخم تخطى 2000% سنوياً، وتهاوت القوة الشرائية للمواطنين وسط تقلب لحظي للأسعار. لم تلجأ الحكومة هناك إلى المسكنات، وإنما ابتكرت حلاً ذكياً عبر استحداث عملة افتراضية مؤقتة سميت «وحدة القيمة الحقيقية» (URV)، تم ربطها بالدولار، وجرى استخدامها لتقييم السلع في المتاجر، بينما ظل البيع والشراء بالعملة القديمة المنهارة. نجحت هذه الحيلة النفسية في كبح جماح الهلع وتثبيت الأسعار في وعي المستهلكين والتجار، وبعد استقرار الأسواق بضعة أشهر، حوّلت الحكومة هذه الوحدة الافتراضية إلى عملة رسمية حقيقية، وهي «الريال البرازيلي»، ما أنهى واحدة من أسوأ أزمات التضخم في التاريخ الحديث.

كذلك، وعقب الحرب العالمية الثانية، واجهت ألمانيا دماراً شاملاً وشحاً حاداً في السلع أدى إلى انهيار «المارك» القديم، لدرجة تحولت فيها السجائر إلى وسيلة للتبادل التجاري. جاء الحل عبر صدمة اقتصادية شجاعة قادها الخبير الاقتصادي لودفيغ إيرهارد، وتضمنت خطوتين متزامنتين، إلغاء العملة القديمة فجأة واستبدالها بـ«الدويتش مارك» بمعدل استبدال قاسٍ لامتصاص السيولة الزائدة، مع التحرير الكامل للأسعار وإلغاء نظام البطاقات التموينية، وفي اليوم التالي مباشرة لتطبيق الخطة، تدفقت السلع المخزنة إلى الأسواق، واستعاد النظام النقدي عافيته نتيجة عودة الثقة في العملة الجديدة.

لا أنصح باتخاذ هذه الروشتة حرفياً، ولكن يمكن الاستفادة منها، سيما وأن هذه التجارب الدولية في مكافحة الغلاء تتطلب إصلاحاً نقدياً جذرياً لوقف طباعة النقود بلا غطاء، وإعادة بناء الثقة في العملة الوطنية، بالتوازي مع تحفيز الإنتاج المحلي في القطاعات الحيوية، كالزراعة والثروة الحيوانية، لزيادة المعروض من السلع وخفض الأسعار تلقائياً.

قد يعجبك ايضا