آخر الأخبار
الخرطوم .. إتجاه لإستبدال أسماء بعض الشوارع الحرب الرابعة .. حين تنتقل المعركة من فوهة البندقية إلى رغيف الخبز بالتزامن مع تقدم الجيش .. إنسحاب قوة كبيرة للمليشيا من المزروب عقب نهب المحال التجارية من جنقول إلى آمنة ميرغني .. ماذا يدور في عقل بنك السودان المركزي؟ توقعات بأجواء ساخنة جدآ وأمطار متفاوتة أدري .. توقف التعاملات المالية بتطبيق بنكك بسبب إنهيار الجنيه السوداني أمام الفرنك التشادي الصراعات تتجدد في أبيي وسقوط 26 قتيلاً الوجهة 24 تنشر عناوين الصحف البارزة لليوم الجمعة المستشار السياسي لرئيس مجلس السيادة يرد بحسم على تصريحات بولس شرارة حرب بين حميدتي و الرئيس التشادي النور القبة يكشف مخاوف عناصر المليشيا من التصفية والتعذيب قرارات مرتقبة من مجلس الوزراء المشتركة تكشف حصيلة عملياتها الميدانية في شمال كردفان وزارة التربية والتعليم بالخرطوم تكشف موعد امتحانات شهادة المرحلة المتوسطة مناوي يكشف تفاصيل جديدة بشأن الانشقاقات داخل مليشيا الدعم السريع انقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة بالخرطوم قرار جديد بشأن المواتر في الخرطوم وزير التعليم العالي يحسم الجدل بشأن منع تسجيل الطلاب دون "18" عامًا إيمان الشريف تعلن إلغاء حفلها بالخرطوم انهيار منجم الرقيق... المعادن تكشف عدد الوفيات وتوضح ملابسات الحادث

الحرب الرابعة .. حين تنتقل المعركة من فوهة البندقية إلى رغيف الخبز

الحرب الرابعة .. حين تنتقل المعركة من فوهة البندقية إلى رغيف الخبز

كابتن طيار عادل المفتي .. يكتب

الحرب في السودان لم تعد حربًا واحدة، ولا جبهة واحدة، ولا سلاحًا واحدًا.

فقد خاض السودان معارك متتالية، تغيّرت أدواتها، وتبدلت ساحاتها، لكن هدفها ظل واحدًا: إضعاف الدولة وإرهاق المواطن وكسر إرادة السودان.

الحرب الأولى.. حرب الاحتلال والحصار

بدأت المليشيا باحتلال مباشر للأرض، ومحاولة كسر الدولة والسيطرة على المدن ومؤسساتها وتفعيل محاصرة دول الإقليم.

لكن السودان، شعبًا وجيشًا، أفشل كثيرًا من هذه الرهانات.

استُعيدت مساحات واسعة، وتراجعت المليشيا من مواقع كثيرة كانت تسيطر عليها، وأُفشل المخطط الخارجي وحصار ودعم دول الإقليم، الذين يريدون الفرصة لتفعيل اتفاقياتهم مع المليشيا لنقص الأرض من اطرافها ، فانتفض الجيش وأنتصر وبدأ المواطن السوداني يعود إلى أرضه وبيته، لا ينتظر إذنًا من أحد ليعود إلى وطنه.

الحرب الثانية.. حرب المسيرات واستهداف البنية التحتية

بعد تحرير الأرض، تغيّرت طبيعة المعركة.

انتقلت إلى الاستنزاف والمسيرات، وضرب محطات الكهرباء والمستشفيات والبنية التحتية، ومحاولات تعطيل عودة المواطنين، وإبقاء المدن، وعلى رأسها الخرطوم، في حالة خوف وشلل دائم.

لكن تلك المحاولات لم تمنع السودان من المضي قدمًا.

وانتصر الحق.

الحرب الثالثة.. حرب الإعلام والمجتمع الدولي

وحين عجز السلاح وحده عن تحقيق الحسم، انتقلت المعركة إلى جبهة أخرى:

معركة الرواية.

الإعلام، والشائعات، والحملات الخارجية، والاتهامات المتبادلة، والسلاح الكيميائي، والضغط الدولي، والعمل على فرض حظر جوي على السودان، كلها أصبحت أدوات في حرب طويلة على السودان.

وكان الشعب وحائط الصد دوماً لهم بالمرصاد.

وهنا يجب أن نكون أكثر وعيًا:

ليس كل ما يقال مؤامرة، وليس كل اتهام حقيقة، وليس كل ضغط دولي بريئًا من المصالح.

لكن المؤكد أن السودان أصبح ساحة لصراع سياسي وإعلامي إقليمي ودولي معقد، وأن المواطن هو الذي دفع وما زال يدفع الثمن.

ثم جاءت الجبهة التي قد تكون أخطر من كل الجبهات:

الاقتصاد.

هذه هي الحرب الرابعة

والحذر منها واجب؛ فهي حرب داخلية في ميدانها، خارجية في توجيهها وإدارتها وإشعال نارها.

لأن محاولة إسقاط الدولة لا تحتاج دائمًا إلى احتلال العاصمة.

يمكن أن تبدأ بإسقاط قيمة العملة، وإضعاف الإنتاج، ورفع الأسعار، وتعطيل المصانع، وخنق التجارة، وإرهاق المواطن، وتجفيف موارد الدولة.

قد لا تسمع صوت رصاصة واحدة، لكنك تسمع صوت الجوع وفرفرة المذبوح وهمس الخائن.

لا ترى دبابة في الشارع، لكنك ترى أمًا عاجزة عن شراء الدواء لطفلها.

لا ترى جنديًا يهاجم السوق، لكنك ترى التاجر يغلق متجره، والمزارع يتوقف عن الزراعة، والموظف يكتشف أن راتبه لم يعد يكفيه لأيام.

هذه هي خطورة الحرب الاقتصادية.

والمطلوب هنا ألا نرتكب خطأً كبيرًا بتحويل كل أزمة اقتصادية إلى مؤامرة كاملة الدسم؛ فالحرب نفسها دمرت الإنتاج والبنية التحتية والأسواق، وأضعفت إيرادات الدولة وأرهقت المؤسسات.

لكن الأخطر أن تتحول هذه الأزمات إلى وقود سياسي تستغله أي جهات نعرفها جيدًا، تريد إعادة إنتاج الفوضى أو العودة إلى المشهد من جديد.

فإذا فشل الاحتلال بالسلاح، قد يصبح الهدف صناعة واقع جديد بالانهيار الاقتصادي.

ليس المطلوب بالضرورة العودة إلى الخرطوم بالدبابات.

يكفي أن تصبح الخرطوم مدينة لا يستطيع المواطن أن يعيش فيها.

يكفي أن يفقد المواطن ثقته في الغد.

يكفي أن يتحول الجوع إلى غضب، والغضب إلى فوضى، والفوضى إلى باب مفتوح لكل من يريد العودة.

وهنا يجب أن تتحرك الدولة والشعب معًا، قبل أن يتحرك الأعداء.

الحرب الرابعة لا تُواجه بالخطابات والبيانات

تُواجه بالإنتاج.

بإعادة تشغيل المصانع.

بحماية الزراعة.

بمحاربة التهريب.

بضبط الأسواق.

بحماية العملة.

بإصلاح الجهاز المصرفي.

بترشيد الإنفاق، وأهمه الإنفاق الحكومي، وربط الحزام.

وبشفافية تجعل المواطن يعرف أين تذهب موارد الدولة وكيف تُدار.

وبمحاربة الفساد بقوة، وخاصة الفساد الإداري.

نحتاج إلى اقتصاد حرب حقيقي، لا اقتصاد أزمات.

ونحتاج إلى حكومة مدنية أقوى، مهنية، متماسكة، تتكاتف فيها الكفاءات بعيدًا عن المحاصصات والصراعات، وتعمل مع مؤسسات الدولة والقوات النظامية بتناغم وتنسيق من أجل هدف واحد:

إعادة الحياة إلى السودان.

ونحتاج إلى شعبٍ واعٍ، يتعامل مع الأزمة بمسؤولية.

ونحتاج بشدة إلى مجلس رقابي مؤقت من كل التخصصات، يراقب ويحاسب الجهاز التنفيذي.

فالنصر العسكري لا يكتمل إذا ظل المواطن جائعًا.

واستعادة الأرض لا تكتمل إذا لم تعد إليها الحياة.

وفتح الطرق لا يكفي إذا لم تعد المصانع.

وعودة المواطنين لا تكفي إذا لم يجدوا عملًا ومدارس ومستشفيات وكهرباء وخدمات.

المعركة الحقيقية تبدأ عندما تصمت المدافع.

وهنا يجب أن يفهم الجميع أن الاقتصاد ليس وزارة من الوزارات، ولا ملفًا إداريًا مؤجلًا.

الاقتصاد اليوم جبهة أمن قومي.

إذا خسرناها، يمكن أن نُعيد إنتاج الحرب بأشكال أخرى.

وإذا كسبناها، نغلق واحدًا من أخطر أبواب العودة إلى الحرب.

لقد دافع السودانيون عن أرضهم.

وصمدوا أمام الرصاص.

وتحملوا النزوح والفقد والدمار.

فلا يجوز أن نتركهم الآن وحدهم أمام الغلاء والفقر وانهيار الدولار والخدمات.

من أراد حماية انتصار السودان، فليحمِ اقتصاده.

ومن أراد إغلاق أبواب الحرب، فليغلق أبواب اقتصاد وسماسرة الحرب.

ومن أراد أن يعود السودان إلى أهله، فليجعل عودة المواطن مقرونة بعودة الإنتاج والكرامة والأمل.

لأن الحرب الرابعة قد لا تبدأ بطلقة.

قد تبدأ بورقة نقدية فقدت قيمتها.

قد تبدأ برغيف أصبح أغلى من قدرة المواطن.

قد تبدأ بمصنع توقف.

قد تبدأ بمزارع ترك أرضه.

وقد تبدأ بسؤال بسيط يردده المواطن كل صباح:

هل كان أخير لينا زمان؟.. ولا «بكرة حيكون أحسن؟»

فإذا عجزت الدولة عن الإجابة بالفعل، لا بالكلام، فهنا تبدأ الكارثة.

الحرب الرابعة ليست حربًا على موارد السودان

هذه ليست حربًا على موارد السودان، فبلادنا غنية بخيراتها.

إنها معركة حماية الاقتصاد، وإدارة الدولة، وصون المال العام، واستثمار مواردنا بما يرضي الله ويخدم إنسان السودان.

فالنصر الحقيقي لا يكتمل بانتصار الميدان وحده، بل حين يتحول ذلك الانتصار إلى أمن ومعاش كريم، ودولة قوية، وعدالة تحارب الفساد ولا تتسامح معه.

والسودان، بإذن الله، قادر على ذلك؛ بما يملك من أرض وثروات، وعقول وخبرات، وشعب أثبت في أصعب الظروف أنه قادر على الصمود والنهوض.

فلنجعل من هذه المحنة بدايةً لعهد جديد، تُؤدى فيه الأمانات، وتُحفظ فيه الحقوق، وتُدار فيه خيرات البلاد بمسؤولية وعدل.

فحماية الوطن مسؤولية مشتركة، تبدأ بأداء كل مواطن أمانته، ورفضه الإضرار بالمال العام.

فالميدان قد يصنع النصر… لكن الأمانة والعدل وحسن الإدارة هي التي تصنع السودان الذي يستحقه أبناؤه.

قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾

صدق الله العظيم.

١٨ سبتمبر ٢٠٢٦ م

قد يعجبك ايضا