من يشعل الحريق ويتظاهر بالبكاء؟
رشان أوشي تكتب…
بفعل حملات التحريض والتحشيد التي تقودها الآلة الإعلامية الموالية للجنجويد والإمارات، أطلق مواطن الرصاص على ثلاثة سائقين مصريين في الخرطوم اليوم، بالتزامن مع انتشار مقطع فيديو لسوداني يعتدي على مصري، قيل إن الحادثة وقعت في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية.
هذه الأحداث، على خطورتها، لا ينبغي أن تتحول إلى وقود لإشعال فتنة بين شعبين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة، ولا أن تستخدم لتأجيج العداء بين السودانيين والمصريين، دون أدنى اعتبار لمصير ملايين السودانيين الذين لجأوا إلى مصر هرباً من الحرب، ووجدوا فيها ملاذاً آمناً في محنتهم.
الحكومة السودانية لم تصمت، ولم تتعامل مع الأحداث بتجاهل، لكن الدول لا تبني مواقفها الدبلوماسية على العواطف وحملات التعبئة؛ بل على المعلومات الاستخبارية الدقيقة، والتحقيق في الوقائع، وتقدير تداعياتها على الأمن المجتمعي والعلاقات بين البلدين.
وفي هذا السياق، أعلن مجلس السيادة تشكيل لجنة تحقيق رفيعة المستوى، تتوجه إلى مصر للجلوس مع الجانب المصري، ومناقشة تفاصيل الأحداث، والتوصل إلى مواقف وإجراءات دبلوماسية تراعي مصالح البلدين، وتتعامل مع التحديات الأمنية المشتركة بمسؤولية وحكمة.
مصر جارة عزيزة، تربطنا بها علاقات تاريخية ومصالح استراتيجية، وكانت ملاذاً لملايين السودانيين الذين دفعتهم الحرب إلى مغادرة بلادهم. ومن هنا، فإن حماية هذه العلاقة ضرورة تفرضها مصالح الشعبين ومستقبل البلدين.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه، ماذا يريد أعوان الإمارات من تأجيج هذه الأزمة؟ وهل ينتظرون أن تنجر الحكومة السودانية إلى إعلان الحرب على مصر، استجابة لحملات التحريض التي تستهدف علاقات البلدين؟
إن من يراهنون على اندفاع القيادة السودانية خلف مخططات الفتنة يسيئون تقدير الموقف. فالدولة التي تخوض حرباً دفاعاً عن سيادتها ومؤسساتها لا يمكن أن تتخلى عن حسابات الأمن القومي، أو تسمح لخصومها بتحديد اتجاه علاقاتها الخارجية عبر حملات إعلامية منظمة . ومهما تصاعدت محاولات التحريض، فإن إفشالها يظل رهناً بالوعي الشعبي، والحكمة السياسية، والتعامل المسؤول مع الوقائع.
والمفارقة أن بعض الذين يتصدرون اليوم مشهد المزايدة على مواقف الحكومة السودانية، ويتاجرون بآلام المواطنين، لم يظهروا الحماسة ذاتها عندما تعرض السودانيون لانتهاكات واعتداءات في ساحات أخرى.
لم نر منهم المواقف نفسها إزاء انتهاكات الجماعات المسلحة في ليبيا بحق السودانيين، ولا إزاء الأوضاع الإنسانية القاسية التي عاشها لاجئون سودانيون على الحدود التشادية. ولم نسمع لهم الصوت ذاته في مواجهة استخدام الأراضي والمطارات الإثيوبية في انطلاق مسيرات إماراتية لقصف مناطق سودانية، أو الاعتداءات التي تعرض لها لاجئون سودانيون على الحدود الإثيوبية، او إقامة معسكرات لتدريب وتسليح عناصر من مليشيا الدعم السريع داخل الأراضي الإثيوبية.
كما لم تكن مواقفهم بالوضوح نفسه عند استهداف المسيرات الاماراتية مدينة بورتسودان، أو عند قصف المساجد والمناطق المدنية الآمنة.فلماذا ترتفع أصواتهم اليوم بهذه الحدة، بينما خفتت أو غابت حين تعلق الأمر باعتداءات وانتهاكات طالت السودانيين مباشرة؟
إن الدفاع عن كرامة السودانيين وحقوقهم لا يتجزأ، ولا ينبغي أن يخضع للأجندات السياسية أو حسابات المحاور. ومن يرفض الاعتداء على مواطن سوداني في مصر، عليه أن يرفض الاعتداء عليه في ليبيا وتشاد وإثيوبيا، وأن يدين استهداف المدنيين داخل السودان، أياً كانت الجهة المسؤولة عنه.
اعلموا يا هؤلاء، لن يصبح السودانيون والمصريون وقوداً لصراعات إقليمية لا تخدم مصالحهم. ومن واجب السلطات في البلدين كشف ملابسات هذه الأحداث، ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون، والتصدي لأي محاولات لاستغلالها في الإضرار بالعلاقات الثنائية.
على الشعب السوداني أن يفشل مخطط الفتنة، وأن يميز بين حقه المشروع في المطالبة بالعدالة، وبين محاولات توظيف غضبه لضرب علاقته بشعب مصر وحكومته.فليس كل من يرفع شعار الكرامة الوطنية حريصاً عليها، وليس كل من يتاجر بآلام السودانيين يعمل لمصلحتهم.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله الحرب بالسودانيين هو أن تدفعهم إلى خسارة جيرانهم، وعزل أنفسهم عن محيطهم، وتحويل خلافاتهم مع الآخرين إلى عداوات دائمة.
السودان يحتاج إلى حماية مصالحه، وليس إلى فتح جبهات جديدة؛ وإلى تحصين علاقاته، وليس هدمها استجابة لمخططات خصومه. والوعي، في هذه اللحظة، جزء من معركة الحفاظ على الدولة ومصالح الشعب السوداني.
محبتي واحترامي