التطبيقات البنكية.. المشكلة وين؟
عزمي عبد الرازق يكتب…
هنالك مشكلة حقيقية تضرب منظومة التطبيقات المالية البنكية، وليس «بنكك» وحده، وهذه مسألة عصية حتى الآن على التفسير الواضح. هل هي قضية فنية؟ أم إجراءات مقصودة ومؤقتة فرضتها ظروف اقتصادية وأمنية ومصرفية استثنائية؟ لا أحد يقول لنا الحقيقة بصورة قاطعة، ولذلك تكثر التكهنات، وتتمدد الشائعات، ويصبح المواطن هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.
الراجح بالنسبة لي أن المسألة أكبر من كونها عطلًا فنياً في تطبيق واحد، وأبعد من أن تكون مشكلة تخص بنك الخرطوم وحده. فالذين يمتلكون حسابات في تطبيقات أخرى، مثل «فوري» و«أوكاش» وغيره، يعانون من مشكلات مشابهة، وأحياناً من تعقيدات أسوأ. وهنا تحديداً، وحتى لا تتحول الأزمة إلى دعاية لصالح بنك ضد آخر، أو إلى مناسبة للاصطياد في المياه العكرة، من الأفضل أن تبقى المنافسة حرة، وأن نبحث عن أصل المشكلة، عن «عقدة المنشار».
المؤشرات الأولى لا تستبعد وجود علاقة بين ما يجري والسياسات النقدية الأخيرة لبنك السودان المركزي، سيما بعد التراجع الحاد في قيمة الجنيه السوداني، عقب سياسة التعويم، أو بالأحرى السماح للمصارف بتعديل أسعار العملات وفقاً لحركة العرض والطلب، ثم التراجع عن الخطوة لاحقاً.
مثل هذه القرارات لا تمر على السوق مرور الكرام، السوق السوداء لا تنام، والمضاربون لا ينتظرون البيانات الرسمية، ورجال الأعمال لا يضعون أموالهم في الحسابات لمجرد الاحتفاظ بها. ولذلك، فإن أي اهتزاز في سعر الصرف يدفع أصحاب الأموال إلى التحرك، وسحب أرصدتهم وتحويلها إلى الدولار أو الدرهم وحتى الجنيه المصري، والذهب أيضاً، وقد دخل في الخط تجار الوقود، وبعض الموردين.
وهذا بالضبط وضع النظام المصرفي أمام ضغط استثنائي، أموال تتحرك في اتجاه واحد، وطلب متزايد على العملات الأجنبية، ومخاوف من مزيد من الانخفاض في قيمة الجنيه، ومواطن يريد الوصول إلى أمواله في اللحظة نفسها التي تحاول فيها المنظومة المصرفية السيطرة على حركة السيولة، مقابل حركة المضاربة والتحويلات المالية الكبيرة، وبيع الذهب المهرب، عبر ذات الطبيقات، سلم وأستلم قروشك عبر بنكك، أو فوري.. ومن هنا قد نفهم، ولو جزئياً، لماذا أصبحت التطبيقات المالية فجأة في قلب الأزمة، بطيئة، أو لا تعمل أحياناً.
وبحسب متابعتي، تتعلق المشكلة الحالية كذلك بإجراءات فنية ورقمية شاملة تقوم بها وزارة التحول الرقمي والاتصالات، من بينها ربط الهوية الرقمية الوطنية «سوداباس» بأنظمة البنوك، بما يسهل عمليات تحديث بيانات العملاء والتحقق من هوياتهم إلكترونياً.
نحن هنا نتحدث عن محاولة نقل الدولة نفسها من منظومة ورقية متشعبة إلى منظومة رقمية مترابطة، بحيث تتصل الوزارة، وبنك السودان المركزي، والمصارف التجارية، والشرطة والسجل المدني، ضمن شبكة واحدة أكثر أمناً وكفاءة. كما أن هذه العملية تستهدف، في جانب منها، تأمين البنية التحتية للاتصالات والبيانات الحكومية والمصرفية ضد الهجمات الإلكترونية واختراقات الشبكات، كما تنبه هيئة الأمن السيبراني.
الأمر أشبه بتحويل قرية كاملة من النظام التقليدي إلى قرية إلكترونية في يوم واحد. تخيل عدد الأسلاك التي يجب توصيلها، والأنظمة التي ينبغي اختبارها، والبيانات التي يجب نقلها، والثغرات التي يجب إغلاقها، والبدائل التي يجب تجهيزها قبل أن تبدأ المنظومة في العمل بصورة طبيعية.
تقريباً المشكلة ليست في التحديث ذاته، فالتحديث مطلوب، ولا يمكن لدولة تريد بناء اقتصاد حديث أن تظل أسيرة الملفات الورقية والحضور الشخصي وانتظار ختم الموظف، وثغرات الفساد، والتهرب الضريبي، المشكلة في إدارة الانتقال.
أي عملية تحول رقمي بهذا الحجم تحتاج إلى خطط طوارئ، وبنية احتياطية، ومسارات بديلة، وتواصل واضح مع الجمهور. لأن المواطن لا يعنيه كثيراً ما إذا كان العطل في الخادم أو الشبكة أو قاعدة البيانات أو الربط بين البنك والسجل المدني. المواطن يريد شيئاً واحداً، أن يدخل إلى حسابه ويجد أمواله متاحة، ويحول منها ويرسل الإشعار الأخضر.
لذلك، وبدلاً من ترك البنوك التجارية وحدها تتحمل غضب الناس، وتصبح هدفاً سهلًا للنقد والاتهام، كان من باب أولى أن تتحمل الحكومة والمؤسسات ذات الصلة مسؤوليتها في تقديم تفسير واضح ومطمئن، خصوصاً إذا كانت هناك إجراءات استثنائية تجري خلف الكواليس. وإذا كانت الحكومة جادة في حربها على تجار العملة والمضاربين وأصحاب الشركات والحسابات الوهمية والورّاقين، فإن المعركة تهم المواطن بالضرورة ويستحق أن يكون في الصورة،
عموماً فإن بنك الخرطوم نفسه اعتذر عن تذبذب خدمة «بنكك» لدى بعض المستخدمين، وقال إن الفرق الفنية تعمل على التطوير ومعالجة التحديات التقنية لضمان استمرار الخدمة بصورة أكثر كفاءة وفي أسرع وقت ممكن. وهذا اعتذار مطلوب، وفيه تفسير لبعض ما يجري، ولكن في النهاية فإن المسؤولية هنا تضامنية، وتحتاج إلى تحرك جماعي، يدفع باتجاه التحديث والربط، ويحافظ على ثقة الجمهور وتعاونه.