آخر الأخبار
من الاستخبارات العسكرية إلى الدبلوماسية.. من هو السفير السوداني المرشح لمصر؟ البرهان يعلن موقفه من الترشيحات السياسية إحباط مخطط لاستهداف شباب الخرطوم الهلال يبدأ مشواره الأفريقي بانتصار ثمين خارج الديار من سكرتير الحزب الشيوعي إلى قائد الأمة: كيف قاد إسلام كريموف أوزبكستان نحو الاستقلال مباحثات بين الخارجية وبرنامج الغذاء العالمي مجلس السيادة ينعي رئيس المريخ السابق عمر النمير أحكام قضائية بحق متعاونين مع المليشيا في الدبة بعد تحالف استمر لعقود... مواجهات دامية بين الأطورو والحركة الشعبية وحدة المعلومات المالية تستأنف أعمالها من الخرطوم المريخ يحسم الذهاب أمام بور ديناموز مناوي يكشف موقفه من الحوار السوداني–السوداني العطا يستذكر موقف الراحل عمر النمير مع الجيش تفاصيل مثيرة عن أسر عناصر الدعم السريع ومساومة ذويهم في تشاد أزمات تضرب إنتاج الصمغ العربي بالسودان تقرير أممي يطالب كينيا بتوضيحات بشأن دخول عبد الرحيم والقوني أراضيها لجنة ضبط الأمن بالخرطوم تكشف حصيلة حملات جمع السلاح والمركبات خريطة العالم تتغير... أفريقيا تكشف حجمها الحقيقي مستشار البرهان يرد على مزاعم الأسلحة الكيميائية في السودان النائب العام تصل جنيف

من سكرتير الحزب الشيوعي إلى قائد الأمة: كيف قاد إسلام كريموف أوزبكستان نحو الاستقلال

كابتن طيار عادل المفتي .. يكتب ….

لم أكن أعلم .. وأنا أجلس علي كابينة القيادة و أتلقي الموافقة علي تشغيل المحركات من برج المراقبة في مطار جده الدولي .. ثم أدير محركات الطائرة وأستعد للإقلاع ، أنني لا أحمل شخصيات هامة إلى بلد جديد فحسب… بل كنت أطير نحو دولة كانت تولد أمام عيني. ولم أكن أعرف أيضًا أن هذه الرحلة ستمنحني واحدة من أغرب وجبات الإفطار في حياتي، وستضعني في قصر رئيس دولة، وتكشف لي من خلال «ولاعة سجائر» حجم عزلة شعب بأكمله.

هناك رحلات تنتهي عندما تلمس عجلات الطائرة مدرج الهبوط.

وهناك رحلات تبدأ قصتها الحقيقية بعد الهبوط.

رحلتي إلى مدينة طاشقند شديدة البرودة عاصمة دولة أوزبكستان الوليدة كانت من النوع الثاني.

العالم كله كان يتابع انهيار الاتحاد السوفيتي وكانت دولة اوزبكستان يومها تخرج من تحت مظلته، وتبدأ طريقها كدولة مستقلة. وعلى متن طائرتي كان رئيس البنك الإسلامي للتنمية والأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الدكتور احمد محمد علي وبعض من الشخصيات الهامة ورجال الأعمال ، في أول رحلة من دولة إسلامية إلي هذه الدولة الوليدة التي نسبة مسلميها من السكان تبلغ حوالي ٨٠٪؜ .

كنت أقود الطائرة وأراقب ركابها في الخلف وهم في غاية السعادة والهدوء ، وأنا أنظر من السماء إلي البلدان والانهار والبحار والرمال والمدن التي عبرناها في طريقنا نحو بلد يتغير، لكنني لم أكن أدرك أنني سأعود منه بذاكرة لا تشبه أي رحلة أخرى.

القصر الذي لم يكن في جدول الرحلة

عند وصولنا، الي مطار طاشقند كان الرئيس المؤسس إسلام كريموف في استقبال الوفد. جهزنا مظلات المطر والثلج المتساقط للركاب ، وبعد اللقاء الرسمي حدث أمر لم أتوقعه؛ فقد طلب أن يقيم طاقم الطائرة مع الوفد في قصره وتحت ضيافته بعد أن كنا رتبنا حجوزات الفنادق في هذه المدينة الجميلة .

ومنذ تلك اللحظة، تحولت الرحلة من مهمة جوية إلى تجربة إنسانية استثنائية.

وفي صباح اليوم التالي الممطر ثلجا ، جلسنا جميعا ورئيس الدولة إلى مائدة الإفطار في حديقته الخارجية التي تحيط بها أجهزة التدفئة من كل مكان .

كان كل شيء هادئًا وبسيطًا، إلى أن وصل طبق صغير من قطع اللحم. تذوقناه… فأعجبنا.

طلبنا المزيد.

وأكلنا حتى اكتفينا.

ثم سألت النادل بعدها السؤال الذي قلب المشهد كله:

ما نوع هذا اللحم الذي تناولناه ؟

أجابني بكل هدوء:

إنه لحم الحصان يا سيدي .

ساد الصمت.

لم نكن نعرف ذلك قبل أن نأكل!

فهم مغزي الصمت .. وأخبرنا بهدوء يميل للهمس ؛ بأن الرئيس أن أراد أن يكرم ضيفا عزيزا لديه أطعمه لحم الحصان .. الغالي الثمن ، وبعد لحظات تحولت المفاجأة إلى ضحك، وأصبحت تلك الوجبة الأولي والأخيرة في حياتي ، واحدة من الحكايات التي لا تُنسى.

لكن ذلك الإفطار لم يكن أغرب ما ستمنحني إياه أوزبكستان.

عندما وقفت أمام ذاكرة أمة

الطائرة تقلع ثم تهبط في مطار سمرقند ، ثم استقبال رئاسي آخر .. تم نقلنا بسيارات روسية الصنع قوية الهيكل إلي قرية هرتنك ، القريبة من سمرقند ، زرنا خلالها مواقع ارتبطت بتراث الإمام البخاري، وضريحه ومسجده العتيق ومتاحفه التي تدهش الناظرين ورأيت مصاحف ومخطوطات وآثارًا إسلامية عريقة.

وقفت أمام تلك المخطوطات طويلًا.

فأنت عندما ترى ورقة قاومت مئات السنين، لا ترى حبرًا على جلد أو ورق؛ أنت ترى زمنًا نجا.

وكانت المخطوطات تحتاج إلى عناية وترميم، وأتذكر أن منظمة العالم الإسلامي أول من ساهم من خارج الحدود في تلك المرحلة بملايين الدولارات في دعم وحماية هذا التراث.

هناك فهمت أن التاريخ ليس شيئًا نقرأه فقط، بل أمانة نحرسها.

من رئيس دولة… إلى ضيف على طائرتي

مرت أشهر قليلة ، ثم حملت الرئيس إسلام كريموف إلى جدة لأداء العمرة.

في تلك الرحلة انعكست الأدوار.

في المرة الأولى كنت طيارًا يحمل وفدًا إلى رئيس دولة، والآن أصبح رئيس الدولة نفسه ضيفًا على متن طائرتي.

وهنا فهمت أحد أسرار الطيران:

عندما تغلق أبواب الطائرة، تسقط كثير من الفوارق.

لا قصور ولا مكاتب رئاسية.

هناك طيار، وسماء، وملاحة، وقرار، ومسؤولية.

فتبادلنا اطراف الحديث والسؤال عن بلدهم وبلدي وانهيار الاتحاد السوفيتي والمستقبل .

وبعد استقباله الرئاسي في مدينة جده الجميلة .. في اليوم التالي حملته أيضًا إلى مدينة ينبع الصناعية. أراد أن يرى المدينة من الجو، فقمنا بتحليق منخفض وفق إجراءات الرحلة.

ومن الأعلى بدت ينبع كأنها مدينة مرسومة على لوحة ضخمة؛ مصانع وطرق وموانئ ومنشآت تتشابك في صورة لا تراها من الأرض.

أسبوع داخل بلد يخرج من العزلة

ثم عدت إلى أوزبكستان مرة أخرى أحمل الرئيس إلي بلده .

وهذه المرة دعانا الرئيس للإقامة في القصر أسبوعًا كاملًا.

خرجت إلى الشوارع، والتقيت الناس، ورأيت تفاصيل حياتهم اليومية.

وبدأت أفهم شيئًا أكبر من السياسة: العزلة كانت قد دخلت حتى في تفاصيل الحياة.

سمعت عن القيود التي كانت تطال بعض المظاهر الدينية، ومنها استخدام مكبرات الصوت في المساجد.

لكن أكثر ما بقي في ذاكرتي كان موقفًا صغيرًا جدًا.

كنت في مطعم مع زملائي طاقم الطائرة ، وكانت فتاة تحضر إلي مكان جلوسنا ثم تطلب من احد أفراد طاقمي ولاعة لإشعال سيجارتها.

وفي إحدى المرات رأيتها تحمل علبة كبريت.

سألتها:

إذا كان معك كبريت… فلماذا تطلبين الولاعة؟

كانت الإجابة كاشفة.

الولاعة نفسها لم تكن متوفرة في بلدهم ، فكان ان طلبنا منها أن تحتفظ بالولاعة ، وتقديرا للهدية البسيطة التي أسعدتها قامت بجلب هدية لنا من المطعم باهظة الثمن مقارنة بسعر الولاعة الصغيرة .

شيء صغير جدًا… لكنه جعلني أفهم حجم العزلة أكثر من كثير من الكلام.

حتى الطائرة كانت تحكي قصة الاتحاد السوفيتي

وبحكم عملي، جذبني أيضًا عالم صناعة الطائرات.

اكتشفت أن الطائرة السوفيتية لم تكن تُصنع في مكان واحد؛ أجزاء منها كانت تنتج في جمهوريات مختلفة، ثم تُجمع في مكان آخر.

محركات هنا، أجزاء هناك، وتجميع في مكان ثالث.

وفجأة أصبحت الطائرة بالنسبة لي أكثر من آلة تطير.

كانت خريطة سياسية واقتصادية معلقة في السماء.

ونعلم بأن أوزباكستان تشتهر بزراعة القطن ولكن مصانع الغزل والنسيج كانت في مناطق اخري.

فهمت أن الجمهوريات كانت مرتبطة ببعضها وبالمركز، وأن الاستقلال الحقيقي لم يكن مجرد رفع علم جديد، بل بناء اقتصاد قادر على الوقوف وحده.

الذكري التي بقيت بعد الرحلة

كان إسلام كريموف بالنسبة لي رجلًا كريمًا، لبقًا، وحسن الضيافة. واستمرت صلتي به و بأوزبكستان فترة من الزمن، عن طريق مدير علاقات عامة بوزارة خارجيتهم ثم انقطعت بعد وفاته. وعلمت بأنه كيف قام بتغيير حقيقي في دولته ، كان السكرتير الأول للحزب الشيوعي وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي تم التصويت في دولته الجديدة، ليعلن قطع علاقاته مع الحزب الشيوعي الأصل ويعلن استقلال دولته ولم تمضي ثلاثة شهور حتي غير اسم الحزب الي الحزب الشعبي الديمقراطي .

فاستطاع المؤسس تطوير دولته ووضع اللبنات لتكون أوزباكستان من أسرع الإقتصادات نموا في العالم .

لذا بعض الرحلات لا تنتهي … بل تبقى في الذاكرة.

تبقى في الصور … تبقى في الحكايات.

وربما يكفي أحيانًا صوت محركات الطائرة حتى تعود بكل تفاصيلها.

واليوم، بعد سنوات طويلة في الطيران، أدرك أن أعظم ما تمنحه هذه المهنة ليس عدد ساعات الطيران ولا عدد الدول التي تزورها.

إنها الذاكرة.

كل رحلة صفحة. كل مدينة فصل.

وكل إنسان تلتقيه يترك سطرًا.

لكن أوزبكستان لم تكن صفحة.

كانت كتابًا كاملًا.

بدأ الكتاب بمحركات تستعد للإقلاع، ومرّ بقصر رئيس دولة، وإفطار لم نعرف حقيقته إلا بعد أن انتهينا منه،ومخطوطات حفظت ذاكرة أمة، ورحلة إلي سمرقند وينبع، وأسبوعًا داخل مجتمع يفتح نوافذه على العالم، و«ولاعة» كشفت لي قصة عزلة بأكملها.

وعندما أتذكر تلك الأيام، لا أقول إنني كنت مجرد طيار ذهب إلى أوزبكستان. بل أقول:

كنت محظوظًا لأنني كنت هناك… في اللحظة التي كان فيها التاريخ يفتح صفحة جديدة.

رفعت الطائرة عن الأرض… بمدرج مطار طاشقند الدولي

بدأت في الإرتفاع .. وبقيت أوزبكستان في ذاكرتي.

تحلق الطائرة بهدوء في سماء طاشقند

والتاريخ كان يحدث تحت جناحي.

ولهذا، هناك رحلات تنتهي بالهبوط…

وهناك رحلات لا تهبط أبدًا.

ولكن ومن الذاكرة .. تبدأ الطائرة في الهبوط من جديد، وتلوح طشقند من خلف الغيوم، حتى تلامس عجلاتها مدرج مطار إسلام كريموف الدولي؛ المطار الذي يحمل اسم مؤسس أوزبكستان الحديثة.

تهبط الطائرة… ويهدأ هدير المحركات، لكن اسم كريموف يبقى حاضرًا في سماء أوزبكستان وفي الذاكرة .

قال تعالى:

 

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

صدق الله العظيم.

كابتن طيار عادل المفتي

٥ سبتمبر ٢٠٢٦ م

قد يعجبك ايضا