لماذا الكولومبيون في السودان؟ ولماذا تشاد؟ ولماذا حفتر في السودان؟وماعلاقة الإمارات بالأمر!
مريم الهندي تكتب
لماذا الكولومبيون في السودان؟ ولماذا تشاد؟ ولماذا حفتر في السودان؟وماعلاقة الإمارات بالأمر!
قرأت تعليقًا للباحث والخبير والمحلل الأمريكي في شؤون السودان والقرن الأفريقي كاميرون هدسون، حول تقرير بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بشأن السودان.
وأكثر ما لفت انتباهي في تعليق السيد هدسون حديثه عن عدد من النقاط الجوهرية التي رأى أنها تستحق التوقف عندها في وثيقة تتجاوز صفحاتها السبعين.
فلنركز على ثلاث نقاط تحديدًا:
أولًا: الدور المحوري الذي تلعبه تشاد في دعم قوات الدعم السريع.
ثانيًا: أن الاستعانة بمرتزقة كولومبيين كانت عنصرًا جوهريًا في العمليات العسكرية لقوات الدعم السريع.
ثالثًا: وجود صلات تربط المسارين التشادي والكولومبي بدولة الإمارات العربية المتحدة.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:
لماذا الكولومبيون في السودان؟
لا شك أن ما ورد في التقارير الدولية بشأن وجود مقاتلين كولومبيين في صفوف قوات الدعم السريع يفتح بابًا واسعًا من الأسئلة حول مصادر التجنيد، والتمويل، والنقل، والتسليح، والجهات التي تقف خلف هذه الشبكات.
وإذا ثبتت الصلات التي أشار إليها التقرير، فإن الأمر لا يعود مجرد وجود مرتزقة أجانب في ساحة حرب، وإنما يصبح جزءًا من شبكة إقليمية عابرة للحدود، تمتد من أمريكا اللاتينية إلى الخليج، مرورًا بشمال أفريقيا ومنطقة الساحل.
وهنا لا بد من التوقف عند السؤال:
الكولومبيون والإمارات… ما القصة؟
قمت ببحث أولي حول طبيعة الاستعانة بعناصر كولومبية في المؤسسات العسكرية والأمنية الإماراتية، وما إذا كانت هذه الخلفية يمكن أن تساعد في تفسير وجود مقاتلين كولومبيين في ساحات صراع أخرى ترتبط بالإمارات.
والثابت أن الإمارات استعانت، خلال السنوات الماضية، بمقاتلين وموظفين عسكريين وأمنيين أجانب من جنسيات متعددة، وهو ما يجعل السؤال عن شبكات التجنيد والارتباطات الأمنية والعسكرية سؤالًا مشروعًا.
لكن هنا يجب أن نكون دقيقين:
وجود كولومبيين في مؤسسات عسكرية أو أمنية إماراتية لا يعني تلقائيًا أن كل كولومبي موجود في السودان يعمل لحساب الإمارات.
هذه نقطة مهمة حتى لا يتحول التحليل إلى تعميم.
السؤال الحقيقي هو:
من قام بتجنيد هؤلاء المقاتلين؟
ومن دفع تكاليفهم؟
ومن نقلهم إلى السودان؟
ومن وفر لهم الأسلحة والمعدات؟
ومن نسق عمليات انتقالهم؟
ومن يملك القدرة المالية واللوجستية على إدارة شبكة بهذا الحجم؟
إذا كانت الإجابة تقود إلى جهة واحدة أو شبكة محددة، فهنا نكون أمام معلومة قابلة للإثبات، وليس مجرد نظرية.
السؤال الثاني:
لماذا تشاد؟
تشاد ليست مجرد دولة مجاورة للسودان.
الحدود الطويلة والمفتوحة، والتداخل السكاني والقبلي، وطبيعة إقليم الساحل، تجعلها ذات أهمية استراتيجية بالغة في أي صراع يجري في دارفور.
ولهذا، فإن الحديث عن الدور التشادي في الحرب السودانية لا ينبغي أن يُقرأ فقط من زاوية سياسية، وإنما من زاوية جغرافية ولوجستية وأمنية أيضًا.
إذا كانت الحدود التشادية قد أصبحت ممرًا للأسلحة والمقاتلين والوقود، فإن السؤال لا يعود:
«هل هناك دعم عبر تشاد؟»
بل يصبح:
من يدير هذا المسار؟ ومن يموله؟ ومن يوفر الحماية السياسية له وماعلاقة الامارات بالحكم والمعارضة في تشاد ومدى تاثير السودان العميق في تساد؟
وهنا تتقاطع المسارات.
نصل إلى السؤال الثالث والأكثر إثارة:
لماذا خليفة حفتر؟
تتركز قوة حفتر ونفوذه في شرق ليبيا، حيث توجد مساحات شاسعة مفتوحة على الحدود مع السودان وتشاد.
وهذه الجغرافيا وحدها تجعل شرق ليبيا لاعبًا مهمًا في أي شبكة لوجستية تتحرك عبر الصحراء الكبرى.
لكن لفهم موقع حفتر، علينا أن نعود قليلًا إلى التاريخ.
فخليفة حفتر كان أحد الضباط الليبيين الذين شاركوا في الحرب التشادية في عهد معمر القذافي، وأُسر مع عدد من قواته بعد الهزيمة الليبية في تشاد.
وبعد سنوات، انتقل حفتر إلى الولايات المتحدة، (يقال ان الرئيس السابق جعفر محمد نميري هو من توسط له للخروج لامريكا وقد نجحت الوساطه السودانية في اخراجه لامريكا وأقام في ولاية فرجينيا، حيث عاش لسنوات طويلة قبل عودته إلى ليبيا) .
وتظل طبيعة علاقاته خلال تلك المرحلة، وما إذا كانت قد شهدت تعاونًا أو تجنيدًا من جانب أجهزة استخباراتية أمريكية، موضوعًا يحتاج إلى التوثيق الدقيق، ولا ينبغي تقديم الاستنتاجات بشأنه باعتبارها حقائق نهائية دون أدلة مباشرة.
لكن الثابت سياسيًا أن حفتر أصبح لاحقًا لاعبًا رئيسيًا في المشهد الليبي، وأن علاقاته الدولية والإقليمية تشابكت بصورة كبيرة مع صراعات المنطقة.
وهنا يصبح السؤال:
ما الذي يجعل حفتر طرفًا محتملًا في شبكة مرتبطة بالحرب السودانية والسودان من كان سببا في خروجه من تشاد ؟
حفتر والسودان… ماذا تقول الاتهامات؟
هناك مجموعة من الاتهامات والتقارير التي تحدثت عن دعم أو تسهيل لوجستي لقوات الدعم السريع عبر الأراضي الليبية.
ومن أبرز ما أُثير في هذا السياق:
1. إمداد الدعم السريع بالوقود والسلاح عبر ليبيا:-
أشارت تقارير بحثية وإعلامية إلى استخدام مناطق في شرق وجنوب ليبيا كممرات لإيصال الوقود والإمدادات إلى قوات الدعم السريع في دارفور.
وإذا صحت هذه المعلومات، فإن أهمية ليبيا لا تكمن فقط في السلاح، وإنما في توفير العمق اللوجستي الذي تحتاجه أي قوة مسلحة تعمل في منطقة واسعة مثل دارفور.
2. الجسر الجوي:-
تحدثت تقارير عن حركة طائرات شحن بين مطارات في شرق ليبيا ومطار الكفرة، ومن ثم انتقال الإمدادات برًا باتجاه الحدود السودانية.
وهنا يجب طرح سؤال واضح:
ماذا كانت تحمل هذه الطائرات؟ ولمن كانت الشحنات؟
فالجواب عن هذا السؤال وحده يمكن أن يكشف جزءًا كبيرًا من شبكة الإمداد.
3. الكفرة… عقدة لوجستية:-
مدينة الكفرة تقع في موقع استراتيجي شديد الحساسية.
فهي تقع في منطقة صحراوية واسعة، وتربط عمليًا بين مسارات ليبيا والسودان وتشاد.
ولهذا، فإن تحويل الكفرة إلى مركز لوجستي محتمل يجعلها واحدة من أهم النقاط التي يجب أن تحظى بالتحقيق والمتابعة.
4. اتهامات بالمشاركة العسكرية المباشرة:-
اتهمت السلطات السودانية قوات تابعة لحفتر بالمشاركة في عمليات عسكرية على الحدود السودانية الليبية.
كما تحدثت تقارير عن وجود عناصر مسلحة مرتبطة بقوات شرق ليبيا في المناطق الحدودية.
وهذه الاتهامات، إن ثبتت، تعني انتقال الأمر من مجرد تسهيل لوجستي إلى تورط عسكري مباشر.
وما علاقة الإمارات؟
هنا نصل إلى الحلقة التي تستحق أكبر قدر من التدقيق.
الإمارات تتمتع بعلاقات قوية مع خليفة حفتر، كما أنها كانت من أبرز الداعمين الإقليميين له خلال الصراع الليبي.
وفي الوقت نفسه، تواجه الإمارات اتهامات متكررة بدعم قوات الدعم السريع في السودان، وهي اتهامات نفتها أبوظبي.
وبالتالي فإن السؤال ليس:
هل الإمارات هي التي تدير كل شيء؟
فهذا استنتاج يحتاج إلى إثبات.
السؤال الأكثر دقة هو:
هل توجد شبكة مصالح وتمويل وإمداد تربط بين الإمارات، وحفتر، وشبكات النقل عبر ليبيا وتشاد، وقوات الدعم السريع؟
وهذا السؤال يمكن الإجابة عنه بالوثائق ومسارات الأموال وحركة الطائرات والشحنات والأشخاص، وليس بالتخمين.
وماذا عن الأسلحة الأمريكية؟
تزداد المسألة تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بمعدات عسكرية أمريكية الصنع يُقال إنها وصلت إلى أطراف في الحرب السودانية.
فالأسلحة والمعدات الأمريكية تخضع في حالات عديدة لشروط وضوابط تتعلق بإعادة نقلها إلى أطراف ثالثة.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا:
إذا وصلت معدات أمريكية إلى طرف ثالث، فكيف وصلت؟
ومن وافق على انتقالها؟
ومن أين خرجت؟
ومن اشتراها؟
ومن نقلها؟
ومن استخدمها؟
هذه ليست أسئلة سياسية فقط، وإنما أسئلة يمكن أن تجيب عنها سجلات التصدير، ووثائق العقود، ومسارات الشحن، وتقارير لجان التحقيق.
أعود إلى السؤال الأساسي:
لماذا حفتر بالذات؟
لأن موقعه الجغرافي والسياسي والعسكري يجعله لاعبًا قادرًا على التأثير في المسارات الممتدة بين ليبيا ومصر والسودان وتشاد.
ولأن شرق ليبيا يمثل بوابة طبيعية نحو العمق السوداني.
ولأن العلاقات الإقليمية المتشابكة في المنطقة تجعل أي دعم يمر عبر الأراضي الليبية جزءًا من شبكة أكبر من مجرد قرار محلي.
ولهذا، فإن القول بأن الأمر مجرد «تهريب عبر الحدود» قد يكون تبسيطًا شديدًا لمشهد أكثر تعقيدًا.
إنها، إذا صحت هذه المعطيات، حرب وكالة متعددة الحلقات.
أطراف محلية تقاتل.
وأطراف إقليمية تمول أو تسهل.
وشبكات لوجستية تنقل.
ومقاتلون أجانب يتم تجنيدهم.
وقوى دولية تراقب وتضغط وتتفاوض.
وهنا يصبح السودان ساحة لصراع أكبر من حدوده.
رد حفتر والجيش الليبي:-
لكن الإنصاف يقتضي أن نذكر الطرف الآخر.
فقد نفى المتحدث باسم حفتر، أحمد المسماري، بشكل قاطع تقديم دعم لأي طرف في السودان، وقال إن قواته مستعدة للقيام بدور الوساطة.
كما نفى مسؤولون عسكريون في منطقة الكفرة وجود مقاتلين تابعين للدعم السريع، وأكدوا أن رحلات الشحن التي تصل إلى المنطقة مرتبطة بجهات مدنية وأمنية.
كما أعلن الجيش الوطني الليبي في مناسبات مختلفة أن قواته كانت تؤمن الجانب الليبي من الحدود، وأنها تعرضت لهجمات أثناء أداء مهامها.
إذن لدينا روايتان متعارضتان:
رواية تتهم قوات حفتر بتسهيل الدعم لقوات الدعم السريع.
ورواية تنفي ذلك وتقول إن مهمة قواتها هي حماية الحدود الليبية وتأمينها.
وبين الروايتين توجد مساحة واحدة يجب أن نبحث فيها:
الأدلة وماذا تقول القرائن؟
إذا جمعنا ما ورد في التقارير المختلفة، فإن هناك عدة مؤشرات تستحق التحقيق الجاد:
أولًا: الموقع الجغرافي لشرق ليبيا والكفرة.
ثانيًا: حركة الطائرات والشحن عبر المنطقة.
ثالثًا: وجود شبكات تهريب تاريخية على الحدود.
رابعًا: العلاقات الإقليمية بين حفتر والإمارات.
خامسًا: الاتهامات الموجهة إلى الإمارات بشأن دعم الدعم السريع، والتي تنفيها أبوظبي.
سادسًا: وجود مقاتلين أجانب، ومن بينهم كولومبيون، في الحرب السودانية.
هذه العناصر لا تكفي وحدها لإثبات مؤامرة متكاملة.
لكنها تكفي بالتأكيد لطرح أسئلة جادة تستحق التحقيق.
الخلاصة
إذا نظرنا إلى المشهد من زاوية أوسع، نجد أن المسألة قد لا تكون مجرد حرب داخل السودان.
هناك الإمارات، وليبيا، وتشاد، ومسارات التهريب الصحراوية، وشبكات المرتزقة، ومصادر التمويل والسلاح.
وهنا يصبح السؤال الأكبر:
هل نحن أمام صراع سوداني فقط، أم أمام صراع إقليمي ودولي يريد ان يخنق السودان؟
ولماذا السودان تحديدًا؟
ربما لأن السودان ليس دولة هامشية كما يحاول البعض تصويره حيث اثبتت التجارب انه دولة قويه وله جيش قوي.
فالسودان دولة محورية في أفريقيا، وموقعه الجغرافي يمنحه أهمية استراتيجية استثنائية؛ فهو يربط بين شمال أفريقيا والقرن الأفريقي والبحر الأحمر ومنطقة الساحل.
ويمتلك موارد هائلة، وأراضي زراعية واسعة، وثروة معدنية، وموقعًا بحريًا مهمًا، وعمقًا بشريًا وثقافيًا مؤثرًا.
ولهذا فإن السيطرة على السودان، أو إضعافه، أو تحطيم مؤسساته، ليست قضية سودانية داخلية فقط إذا كانت هناك قوى خارجية ترى في السودان جزءًا من حساباتها الإقليمية.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس فقط:
من يقاتل في السودان؟
بل:
من يمول؟
من يسلح؟
من ينقل؟
من يجند؟
من يوفر الممرات؟
ومن يملك القرار السياسي الذي يسمح لكل ذلك بالاستمرار؟
فإذا كانت الحرب في السودانية قد تحولت إلى حرب عصابات ذات شبكة إقليمية عابرة للحدود، فإن مواجهتها لا تكون فقط في ميادين القتال، وإنما أيضًا في تفكيك شبكات التمويل والتسليح والتهريب والتجنيد التي تغذيها.
وقد يكون السودان، بالفعل، إحدى أهم حلقات الصراع على مستقبل المنطقة.
ولهذا أقول:
ربما لن يكون غزو أفريقيا ممكنًا دون السيطرة على مفاتيح السودان أو إضعافه أولًا.
والسؤال الذي يبقى مفتوحًا:
من يريد السودان ضعيفًا؟ ومن المستفيد من إضعاف جيشه وتحطيم دولته؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى شعارات.
تحتاج إلى وثائق، وأسماء، وأرقام، ومسارات أموال، وحركة طائرات وشحنات، وشهادات، وأدلة.
وعندما تجتمع الأدلة، ستتحدث الحقيقة بنفسها.
مودتي واحترامي