على خطى النجوم… مغازلة السماء
دكتور هاشم عبدالسلام يكتب…
د. عبدالقادر سالم… عبقرية اللحن، وفلسفة الأداء، وعرّاب التراث الكردفاني
حين يُذكر الغناء السوداني الأصيل، ينهض اسم الدكتور عبدالقادر سالم شامخاً، لا كفنانٍ عابرٍ في ذاكرة الطرب، بل كمدرسة قائمة بذاتها، جمعت بين جمال اللحن، وعمق الكلمة، ومسؤولية الرسالة. هو فنانٌ لم يغنِّ ليُطرب فقط، بل غنّى ليحفظ الوجدان، ويصون التراث، ويمنح الأغنية السودانية بعدها الإنساني والحضاري، فأثرى الساحة الفنية بجزيل الكلم، وحلاوة وطلاوة الصوت، جامعاً بين صدق المعنى وبهاء الأداء.
ينتمي عبدالقادر سالم إلى كردفان، تلك الأرض التي أنجبت الإيقاع من رحم الصحراء، وعلّمت اللحن كيف يتصالح مع البساطة والصدق. فكان طبيعياً أن يخرج منها فنانٌ بحجمه، يستلهم من بيئتها مفرداته، ومن إنسانها قيمه، ومن تاريخها نبرته الخاصة. لم يتكئ على التراث بوصفه ماضياً جامداً، بل أعاد صياغته بروح معاصرة، فصار التراث عنده كائناً حيّاً، قادراً على مخاطبة الحاضر والمستقبل معاً. وله إصدارة قيمة عن الأنماط الغنائية في كردفان، عكست بحثه العميق في الموسيقى السودانية وتراثها.
تميّز الراحل الكبير بكونه عبقري ألحان؛ ألحانه لا تُستمع فقط، بل تُحَسّ. فيها اتزان العالم، ودهشة الفيلسوف، وصدق البدوي الذي يقول ما يؤمن به دون تكلّف. أما أداؤه، فكان درساً في الوعي الفني؛ أداءٌ محسوب، عميق، لا يعرف الابتذال، ولا يركن للسطحية، حتى استحق بجدارة وصفه بـ فيلسوف الأداء. كان يعرف متى يهمس، ومتى يصرّح، ومتى يترك للحن أن يقول ما تعجز عنه الكلمات.
ولأن الفن عنده موقف، فقد ظل عبدالقادر سالم فناناً مسؤولاً، ملتزماً بقضايا مجتمعه، وحارساً أميناً للهوية الثقافية السودانية. لم يكتفِ بالانتشار المحلي، بل صال وجال في أوروبا شرقها وغربها، معرفاً بالتراث الكردفاني، الذي وجد قبولاً منقطع النظير لدى الجماهير والنخب الثقافية على السواء. كما تولى الإشراف على كثير من رسائل الماجستير والدكتوراة، وكان محاضراً في كلية الموسيقى والدراما، مما جعله مرجعية علمية وفنية للأجيال الصاعدة.
وفي سياق هذا الحضور العالمي، سجّل الراحل إسطوانات شهيرة في بريطانيا وألمانيا وفرنسا وغيرها من الدول، لتكون تلك الأعمال جسوراً ثقافية راسخة، نقلت الإيقاع الكردفاني والصوت السوداني إلى فضاءات أرحب، ورسّخت مكانته كأحد أهم سفراء الفن والتراث السوداني خارج الحدود.
لم يكن مجرد مطرب، بل عرّاباً للتراث، ومرجعاً فنياً، وذاكرةً متحركةً للأغنية الكردفانية والسودانية عموماً. وتولى مناصب قيادية مهمة، منها قيادة اتحاد الفنانين لأكثر من خمس دورات، وأول أمين عام لمجلس المهن الموسيقية والتمثيلية، ورئيساً للمجلس، وعضو في البرلمان السوداني، مما جعله فناناً متكاملاً، يجمع بين الإبداع والقيادة والمسؤولية الوطنية.
رحل الدكتور عبدالقادر سالم جسداً، لكن صوته باقٍ، وألحانه شاهدة، ومدرسته مفتوحة لكل من أراد أن يتعلم كيف يكون الفن قيمة، وكيف تتحول الأغنية إلى موقف، وكيف يُغازل الفنان السماء وهو ثابت الجذور في الأرض.
سلامٌ على روحه،
وسلامٌ على فنه،
وسلامٌ على كردفان… حين أنجبت نجماً لا يأفل.