القصص الواردة في المقال واقعية
علاء الدين الدفينة يكتب…
إستفتاء وإستنطاق وإستبيان…
قدمت ام وابنتها لمدينة من مدن السودان الآمنة نازحتين من مناطق سيطرة مليشيا الدعم السريع … كانتا في ظروف نفسية قاسية وظروف أخرى أشد قسوة… الفتاة كانت في مقتبل العمر … ووالدتها تكبرها ببضع عشر من السنين وقد تزوجت مبكرا وكانت الفتاة بكرها الذي ابتدرت به ولادتها… ولا زالت تحتفظ بشبابها رغم وفاة زوجها المبكرة حيث ترك لها هذه الفتاة وأخ لها اجبرته ظروف اليتم على ترك الدراسة مبكرا والهجرة لاعالة والدته وشقيقته.
حينما حلت المليشيا بارضهم كان هو خارج البلاد بينما والدته وشقيقته تعانيان من اغتصاب متكرر الحدوث ومتعدد المعتدين قاد لحالة حمل للفتاة وأمها.
استطاعت الام وابنتها الخلاص من هذا الواقع البائس والكئيب بعد جهد جهيد والنجاة منه ولكنهما وقعتا تحت رحمة واقع أشد مرارة.
فكلتاهما تحملان أجنة في رحميهما بصورة (غير شرعية) … الام تكرر اغتصابها عدة مرات من عدة رجال أمام ابنتها وهو ما حدث للبنت ايضا… وكل من الام وابنتها تحملان جنينين مجهولي الوالدين جهلا مركبا… فلا هما تعرفان والدي الجنينين (حتى وان كان المعتدي (شخص) واحد فهما لا تعرفانه بل حل عليهما معتديا تحت تهديد السلاح)… ولا هما تعرفان من قد يكون من هؤلاء الوحوش المتعددين قد يكون هو والد الطفلين … وهل من الممكن أن يكون قد تصادف ان والد طفليهما هو نفسه نفس ( الرجل ) من بين هؤلاء المعتدين؟؟.
والاسوأ أنهما تحملان طفلين بريئين من والدين مجرمين … بل الاشد اجراما في الوجود.
ام تحمل جنينا هو ابنها … لا تعرف هل تحبه ام تبغضه… ووالد هذا الطفل الذي ينمو في احشائها هو ألد الناس لها عداءا وهي ألد الناس له بغضا وكرها وعداء.
وكلما اقترب اكتمال الجنين كلما عظمت الأسئلة بداخلهما عن مصيرهما ومصير الطفلين وعن المستقبل المظلم الذي ينتظر هذه الأرواح الأربعة… الام وابنتها والطفلين القادمين.
اما أعظم ما يدور في نفسيهما فهو الابن المهاجر عن الوطن والذي لا يعرف شيئا عما حدث لامه وشقيقته بينما هو في كفاح مستميت لاعالة والدته الأرملة وشقيقته الفتاة.
جاء المخاض للفتاة قبل امها … كانت تدخل في تشنجات كادت ان تؤدي بحياتها لكنها نجت من ذلك بأعجوبة… كانت امها تتوسد رجلي ابنتها في نفس السرير وهي الأخرى في حالة انهيار كامل بينما تنتظر دورها لوضع مولودها هي الأخرى.
حالة من الوجوم والاحباط واليأس والغنوط تسيطر على كل المحيط من حولهما… والاسئلة الواردة أعلاه ما كانت تدور في خلد الام وابنتها فقط بل كانت تدور في رؤوس كل من عاش هذه المأساة.
ومأساة هذه الأسرة اقل حدة من مأساة ثلاث شقيقات تم اغتصابهن أمام والديهن في ليلة واحدة.
وهي مأساة شقيقتين تم اغتصابهن أمام اسرتهن في ليلة واحدة ايضا.
ومأساة زوج شهد إغتصاب زوجته وبناته أمامه والسلاح في رأسه وهو مكبل اليدين والقدمين.
ومآسي أخرى حصرها مستحيل.
ونحن لم نعرض للذين تم قتلهم بدم بارد بسبب دراهم معدودة.
ولا عن الاطفال المغتصبين والقتلى.
ولا عمن فقدوا عقولهم.
نكتفي بهذا …
ولدينا المزيد.
…….
نيوكولاس مادورو زعيم فنزويلا المنتخب الذي اختطفه ترامب من قصره الرئاسي في كاركاس لن تكون قصته فزاعة رعب لاسقاطها على السودان وتعميمها بتوظيف مخل للوصول الى إنكسار يضاف الى سلسلة الاخفاقات السياسية والتنازلات التاريخية التي ستفضي الى المزيد من الفشل كما ظل يحدث في واقعنا منذ نشأة الدولة الحديثة قبل حوالي ثلاثمائة عام من هذا التاريخ.
الحرب الحالية وليد شرعي لفشل تاريخي تراكمي ولا يمكن تفسيرها بمعزل عما ظل سائدا منذ اكثر من قرن… من الظلم بمكان بتر الوقائع وقص شريطها لتتماشى وتتماهى مع نزوة لوردات الحروب ورنين أجراس دلالات ايام الأسواق الاسبوعية لعواصم الصهيونية العربية وفرقان وقرى قطعان وكلاء الازمات (المحليين) (والمحللين) لكل محرم في عوالم الوطنية.
ما حدث لمارودو وما قد يحدث لغيره لن يكون اعلانا مجانيا لتسوية سياسية تتخطى الواقع الاجتماعي الذي نشأ بسبب الحرب.
تداعيات ذلك أخطر من كل الخلافات السياسية التي شهدتها بلادنا ومر بها شعبنا.
…….
الخيانة التي تعرض لها جيشنا ليست جديدة على التاريخ (السياسي) للسودان وتجاوزه لها أمرا حتميا كما تجاوز خيانات مماثلة في تواريخ متعددة واستمر بعدها اكثر منعة وقوة وأكثر حرصا على القومية والوحدة (رغم رفضنا- التاريخي- المستمر لتدخل بعض منسوبيه في قضايا السياسة والحكم ورغم مطالبتنا المستمرة بدولة مدنية وحكم مدني وديمقراطية مستدامة ودستور دائم وعدالة وحرية وتوزيع عادل للسلطة والثروة وهو ما تنادي به قيادة الجيش نفسها وتقره بإستمرار.
من يدين الان تدخل الجيش في السياسة السودانية وشئون الحكم عليه أن يدين القوى السياسية التي ظلت هي السبب الأول في تدخله في السياسة.
إن الانقلابات العسكرية التي حدثت في السودان كان من ورائها قوى سياسية أصرت على اقحام الجيش في السياسة.
منذ انقلاب عبود … وما تلاه من انقلابات… كلها… بلا استثناء تمت بتحفيز وايعاز ودعم من أحزاب سياسية ترى الان الديمقراطية الهاً يستحق العبادة… وكلها… بلا استثناء لم تقدم في يوم من الايام نقدا ذاتياً لما اقترفته من جرم في حق البلاد وشعبها وللحريات والديمقراطية التي أصبحت لها اليوم شهدا لا غنى لها عن حلاوته… وكلها وبلا استثناء انتقدت تدخل الجيش في السياسة لكنها لم تنتقد مغامراتها هي التي جعلت البلاد في مهب الريح… وكلها وبلا استثناء نادت بضرورة إصلاح المؤسسة الأمنية والعسكرية ولكنها (بالاجماع) فشلت حتى في (اصحاح البيئة) في الأحياء والأسواق والطرقات المدنية وحتى داخل منازل وغرف نوم قياداتها.
هذه هي الحقيقة… ويجب أن تقال رغم مراراتها ويجب أن يعيها الشعب ولا يهمنا أن تعيها القوى السياسية.
والاشد مرارة ان هذه القوى كلها وبلا استثناء تنادي بوحدة البلاد وقد فشلت حتى في الحفاظ على وحدتها ووحدة خطابها السياسي داخل الحزب الواحد.
إن كل ما حدث للبلاد وشعبنا لم يصل في يوم من الايام لما حدث من جرائم ممنهجة ومبرمجة ومخطط لها ارتكبته هذه المليشيا في كل الأراضي التي اعتدت عليها.
هذا هو الواقع.
ومن هنا يبدأ من أراد ان يبدأ … عدا ذلك (فأبشر بطول سلامة يا مربع).
…….
رغم ذلك ترتفع الان بعض الأصوات منادية للوصول إلى حلول تتخطى الواقع … وهذا هو المستحيل … فأي حلول تتخطى وقائع التاريخ وجرائم الحاضر ستكون مدعاة لانفجار قادم … وسيكون انفجارا اجتماعيا يتخطى السياسة والساسة.
إن من اراد الحل فعليه بإستبيان الفروج المغتصبة وإستنطاقها وإستفتاء شواهد قبور الشهداء والضحايا.
…….
من أراد الحل عليه أن يجلس أمام الضحايا…ضحية تلو أخرى واخذ إقرار منهم مشفوع باليمين بأنهم (عافيين).
الضحايا هم الأصدق من بين الجميع… ومن يأبى الاستماع لهم فلا يحدثنا عن الحرية والعدالة والمساواة.
الحرية والعدالة والمساواة تتحقق بإستبيان من ذكرنا.
عدا ذلك فليستمر الشعب مسنودا بالبنادق في الدفاع عن وجودهم وحقوقهم في الوجود.