إثيوبيا.. ماذا بعد تجدد القتال بين تيجراي والحكومة الفيدرالية؟
كتب- شريف ربيع
تجددت الاشتباكات مرة أخرى خلال الأسبوع الماضي بين السلطات المحلية في إقليم تيجراي بشمال إثيوبيا والحكومة الفيدرالية الإثيوبية وعُلقت الرحلات الجوية، بعدما هدأت حدة الصراع عقب توقيع اتفاق سلام في عام 2022م بين الطرفين أوقف القتال الذي استمر عامين.
فقد شهد إقليم تيجراي حربًا شرسة بين قوات محلية من داخل الإقليم والحكومة الفيدرالية الإثيوبية في الفترة ما بين عامي 2020 – 2022م؛ نتج عنها مقتل نحو 600 ألف شخص، ورغم توقيع اتفاق سلام بينهما في شهر نوفمبر من عام 2022م لكن المنطقة لم تستقر حتى الآن، بل تصاعدت حدة الصراع خلال الأشهر الأخيرة بسبب تدهور العلاقات بين إريتريا وإثيوبيا عقب توقيع الاتفاق.
ويوم السبت الماضي نُفذت غارتان بطائرات مسيرة في إقليم تيحراي، وهي المنطقة الشمالية من دولة إثيوبيا التي تشهد توترات متجددة بين السلطات المحلية للإقليم والحكومة الفيدرالية؛ نتج عهنما مقتل سائق شاحنة مدنية وتجارية تحمل فاكهة الموز في منطقة “إنتيتشو”؛ فيما يبدو أن الهدف الوحيد من استهداف الغذاء هو إرهاب سكان الإقليم وتجويعهم، وقد استخدمت قوات دفاع تيجراي “TDF” استخدمت أجهزة تشويش ضد هذه المسيرات؛ مما جعل الأجواء غير آمنة بالنسبة للطيران المدني. وجاء توقيت هاتين الغارتين بعد اندلاع الاشتباكات يوم الخميس من الأسبوع الماضي؛ ومنذ بدء الصراع المسلح بينهما في عام 2020م كانت إثيوبيا هي الجهة الوحيدة داخل المنطقة التي استخدمت المسيرات في حرب تيجراي.
وقد بدأت الشرارة الأولى في يوم 26 يناير الماضي بسبب اندلاع اشتباكات في منطقة “تسيلمتي” الحدودية المتنازع عليها الغنية بالذهب والموارد الزراعية، وتحاول الحكومة المركزية في أديس أبابا فرض سلطات موالية لها وتسعى لتغيير الديمغرافية السياسية في الإقليم قبل الانتخابات التشريعية المقررة في شهر يونيو المقبل؛ هذا التصعيد دفع شركة الخطوط الجوية الإثيوبية إلى تعليق رحلاتها لـ”ميكلي” عاصمة إقليم تيجراي منذ يوم 29 يناير الماضي؛ وهو ما يعد دلالة ونذيرًا تقليديًّا على الحرب.
وعقب ذلك سادت حالة من الذعر بين سكان الإقليم الذين لم يتعافوا بعد من صدمة الحرب السابقة خلال عامي (2020-2022م)؛ لذلك هرعوا إلى المصارف لسحب مدخراتهم؛ ونتج عن ذلك نقص حاد في السيولة وانفجار السوق السوداء وارتفاع حاد في الأسعار، ورغم أن الاتصالات لم تُقطع بعد فإن غلق المجال الجوي وأصوات القصف أعادت إلى أذهانهم ذكريات الحصار الخانق الذي أودى بحياة المئات منهم سابقًا.
ومنذ اندلاع الاشتباكات عام 2020م لم تتوقف الرحلات الجوية فحسب، بل توقفت أيضًا الاتصالات والخدمات المصرفية بصورة كاملة، واستُئنفت خدماتها عقب توقيع الاتفاق في عام 2022م في بريتوريا عاصمة دولة جنوب أفريقيا، ويُعد هذا هو التعليق الأول للرحلات الجوية منذ توقيع اتفاق السلام بينهما.
تدهور الأوضاع الحالية بين قيادات الإقليم وقيادة الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي مع الحكومة الإثيوبية الفيدرالية سببه خلافات ظاهرية حول تنفيذ بعض بنود اتفاقية بريتوريا، لكن جوهر الأمر يشير ناحية خلاف سياسي وتنافس وصراع حتى وإن جاء مغلفًا من الخارج تحت مسميات الحقوق وغيرها. في المجمل ما يحدث في إقليم تيجراي له دلالات مقلقة بسبب بطء تنفيذ بنود الاتفاق، وتأخر إعادة دمج مقاتلي تيجراي في الجيش الوطني، وكذلك عدم استكمال انسحاب القوات غير الفيدرالية، علاوة على الخلاف حول الإدارة والسلطة المحلية خصوصًا المناطق المتنازع عليها غرب الإقليم، إضافة إلى جانب تدهور الأوضاع المعيشية للسكان.
وبعد الاشتباكات الأخيرة تجددت مخاوف من اندلاع الصراع مرة أخرى وتحول المنطقة مجددًا إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية؛ ولتجنب ذلك حث الاتحاد الأفريقي “جميع الأطراف على ممارسة أقصى درجات ضبط النفس”، وأعربت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي عن قلقهما من التصعيد، وشددا على ضرورة حماية المدنيين واستئناف الحوار بين المتصارعين.
الجديد في الأمر هذه المرة أن إريتريا التي كانت حليفة سابقة لآبي أحمد ضد تيجراي في حرب عام 2020م، صارت الآن محل شكوك بالنسبة لإثيوبيا؛ فقد اتهمتها أديس أبابا بأنها عقدت تحالفًا سريًّا مع التيجريين فيما يشير إلى لعبة التحالفات المتغيرة. وهناك احتمالات تشير إلى أن آبي أحمد يسعى لإخضاع تيجراي من أجل تحويل الإقليم إلى قاعدة خلفية في حرب محتملة ضد إريتريا غرضها الوصول إلى البحر الأحمر.
انسحاب قوات دفاع تيجراي من “تسيلِمتي” يوم 31 يناير الماضي يوفر بصيص أمل في عودة الهدوء رغم استمرار القتال في الجنوب، لكن لوحظ أن تحليق المسيرات توقف خلال اليومين الأولين من شهر فبراير الجاري في مدينة “شير” وهي ثالث أكبر مدن إقليم تيجراي. هذا بالإضافة إلى إعلان “جبهة تحرير شعب تيجراي” (TPLF) استعدادها للحوار البناء استجابةً لنداء الاتحاد الأفريقي؛ الذي يبعث الأمل في بدء حوار مرة أخرى، علاوة على أن السكان منهكون وليست لديهم رغبة الانخراط في صراع شامل جديد.