سقط القناع: لماذا لن يعود الشعب إلى المربع الأول؟
سقط القناع: لماذا لن يعود الشعب إلى المربع الأول؟
نجاة الحاج تكتب:
لم يعد ما كان خافياً يخفى، ولم تعد الشعارات قادرة على ستر الحقيقة ،لقد سقط القناع، ليس بفعل خصومٍ أقوياء، بل تحت ثقل التناقضات، وسنوات من الازدواجية، واستسهال خداع الناس باسم الوطن أو الشعارات. اليوم، يقف الشعب أمام صورة واضحة لا لبس فيها: من كان يدّعي الطهر، تلوّث بالسلطة، ومن كان يتحدث باسم الأخلاق، سقط في اختبارها.
التجارب القاسية التي مر بها السودان لم تذهب سدى، ربما خسر الناس الكثير، وربما دفعوا أثمانًا باهظة من الاستقرار والطمأنينة، لكنهم في المقابل كسبوا وعياً لا يُقدّر بثمن ،هذا الوعي هو العدو الحقيقي لكل من يراهن على إعادة إنتاج الماضي لأن المشكلة لم تكن يومًا في نقص الشعارات، بل في زيفها.
الذين يظنون أن بإمكانهم العودة إلى المشهد عبر نفس الأدوات القديمة، يخطئون قراءة اللحظة لم يعد الناس كما كانوا، ولم تعد الذاكرة قصيرة كما يتخيّل البعض. هناك جيل كامل نشأ على الأسئلة، لا على التسليم، وعلى المحاسبة، لا على التبرير، جيل رأى بعينه كيف تُدار الصفقات في الظلام، وكيف تُستخدم القيم كوسيلة للسيطرة، لا كمنهج للحكم.
سقوط القناع لم يكن حدثًا عابراً، بل لحظة فاصلة أعادت تعريف العلاقة بين الشعب والسلطة.
لم يعد مقبولًا أن يُطلب من الناس التضحية دون توضيح، أو الصبر دون أفق، أو الثقة دون دليل ومن هنا، فإن فكرة العودة إلى “المربع الأول” ليست فقط مستحيلة، بل ساذجة.
قد يحاول البعض اللعب على تعب الناس، أو استغلال حاجتهم للاستقرار، أو بث الخوف من البديل، لكن هذه الأدوات فقدت بريقها. لأن الشعب الذي جُرّب عليه كل شيء، لم يعد يخاف بنفس الطريقة، ولم يعد يُخدع بنفس السهولة.
المعركة اليوم ليست مع أشخاص، بل مع فكرة: هل يمكن خداع شعب مرتين بنفس الطريقة؟ الإجابة التي تفرض نفسها بوضوح هي: لا. ليس لأن الشعب أصبح مثالياً، بل لأنه أصبح أكثر وعياً، وأكثر حذراً، وأقل استعداداً لمنح الثقة مجاناً.
إن الطريق إلى الأمام قد يكون صعباً، ومليئاً بالتعقيدات، لكن المؤكد أن الرجوع إلى الخلف لم يعد خياراً ، فسقوط القناع لا يعني فقط انكشاف الوجوه، بل نهاية مرحلة كاملة من الوهم.
والشعوب التي ترى الحقيقة مرة… لا تعود إلى العمى.