عندما أصبح المحظور مباحاً: ماذا جرى لمبادئ مركزي قحت؟
كابتن طيار / عادل المفتي يكتب…
في السياسة السودانية، من حق الناس أن تختلف، ومن حق الأحزاب أن تعارض وتنتقد، لكن ليس من حق أحد أن يطالب الآخرين بمعايير لا يلتزم بها هو نفسه. فالمشكلة لا تبدأ عند تغيير المواقف، بل تبدأ عندما يتحول ما كان يُعتبر بالأمس جريمة سياسية إلى عمل مشروع بمجرد أن يقوم به أصحاب الصوت الأعلى.
لسنوات طويلة ومنذ أيام الثورة وبعدها .. كان اسم مبارك أردول حاضراً في خطاب الانتقاد والهجوم من بعض دوائر قوى الحرية والتغيير (قحت) المجلس المركزي . لم يكن الخلاف معه مجرد خلاف سياسي عادي، بل وصل الأمر إلى تصويره وكأنه عنوان لمشروع سياسي لا يجوز الاقتراب منه. وكل من جلس معه أو تحاور معه أو حاول بناء جسور تواصل معه كان يتعرض لحملات تشويه واتهامات جاهزة بالتواطؤ والانحياز والعمالة السياسية .
ولم يتوقف الأمر عند أردول وحده، بل امتد إلى ما كان يُعرف بـ”جماعة الموز”، التي اطلقها عليهم الخصوم حيث تحولت العلاقة معهم إلى خط أحمر سياسي. كانت المنصات الإعلامية ومواقع التواصل تمتلئ بالهجوم على كل من يقترب منهم، وكأن مجرد الحوار معهم يمثل خروجاً عن الصف الوطني أو خيانة للمبادئ المعلنة ولكني ذكرت لجماعتي في وقتها يجب أن تقرأو التاريخ فلابد أن يأتي يوما ما وقريبا سيجلس الجميع للحوار ليس مع الموز وحده ولكن مع كل الفواكه بمختلف ألوانها وأحجامها رضيتم ذلك أم أبيتم وهذا هو التاريخ يثبت لكم ذلك .
فالحرب التي مزقت السودان وأعادت تشكيل المشهد السياسي كشفت مفارقة يصعب تجاهلها.
فجأة أصبح الجلوس مع أردول وجماعة الموز أمراً عادياً. وأصبح الحوار مع القوى التي كانت تُهاجم بالأمس ضرورة سياسية. وأصبحت الاجتماعات والمفاوضات التي كانت تُوصف سابقاً بالخيانة تُقدَّم اليوم باعتبارها جهداً وطنياً ومسؤولية تاريخية من أجل وقف الحرب وإنقاذ البلاد.
وهنا يبرز السؤال الذي لم يجد إجابة واضحة حتى الآن: ماذا الذي تغير؟
هل تغير مبارك أردول؟ أم تغيرت قحت؟ ام الموز ازداد حلاوة ؟ ولا انحنا الكعبين ؟
إذا كان أردول بالأمس شخصية مرفوضة سياسياً إلى هذا الحد، فما الذي جعله شريكاً مقبولاً في النقاش حول مستقبل السودان ويدير الحوار ويتوسط الصورة أعلاه وجلسة الصورة تعبر عن حجمه ومكانته وسط المجموعه وإذا كانت الجماعات التي كان الاقتراب منها جريمة سياسية قد أصبحت اليوم طرفاً في الحوارات والمشاورات، فهل كانت كل الاتهامات السابقة صحيحة أم أنها كانت مجرد أدوات للصراع السياسي في لحظة معينة؟
المفارقة الأكبر أن الذين كانوا يهاجمون الآخرين بسبب الحوار مع هذه الأطراف لم يقدموا مراجعة صريحة لمواقفهم السابقة، ولم يوضحوا للرأي العام لماذا أصبح ما كان مرفوضاً بالأمس مقبولاً اليوم.
وهذا يقود إلى سؤال أكثر حساسية: هل كانت المشكلة في الأشخاص فعلاً، أم أن المشكلة كانت فقط في هوية من يجلس معهم؟
فعندما كان الآخرون يتحاورون مع أردول ( اللجنة الفنية سابقا ) وانا كنت احدهم الامين السياسي لحزب الامة وبتفويض من الحزب كان ذلك يُصوَّر على أنه انحراف سياسي، أما عندما جلست معه قحت أصبح الأمر حكمة سياسية. وعندما كان غيرهم يلتقي جماعة الموز كان ذلك سبباً للهجوم والإدانة، أما عندما فعلتها قحت تحول الأمر إلى ضرورة وطنية تفرضها الظروف.
إذاً نحن أمام أحد احتمالين لا ثالث لهما.
إما أن قحت المركزي اكتشفت متأخرة أن السودان لا يمكن أن يُدار بسياسة الإقصاء، وأركان النقاش وكان يجب ان نتعلم بعد الثورة يجب ان نتحول إلي رجال دولة لنتعلم بأن الحوار مع الخصوم كان ضرورة لا مفر منها مهما بلغت الخلافات، وعندها يجب الاعتراف بأن خطاب التخوين السابق كان خطأً سياسياً أضر بالحياة العامة وأغلق أبواباً كثيرة كان يمكن أن تسهم في تقريب وجهات النظر.
وإما أن المواقف لم تكن قائمة على مبادئ ثابتة من الأساس، وإنما على حسابات سياسية متغيرة، بحيث يصبح الفعل نفسه مقبولاً أو مرفوضاً بحسب هوية الفاعل لا بحسب جوهر الفعل. وهنا تكون المشكلة أكبر من مجرد خلاف سياسي، لأنها تصبح أزمة ثقة بين السياسيين والجمهور.
وفي الحالتين يبقى المواطن السوداني هو صاحب الحق في طرح الأسئلة.
فإذا كان الحوار هو الحل اليوم، فلماذا كان جريمة بالأمس؟
وإذا كان الجلوس مع الخصوم ممكناً الآن، فلماذا أُهدرت سنوات في صناعة الاستقطاب والكراهية السياسية؟
وإذا كان السودان يحتاج إلى التوافق الوطني للخروج من أزمته، فلماذا تم تخوين كل من دعا إلى ذلك في وقت سابق؟
ربما لا تكمن المشكلة في أن قحت جلست مع مبارك أردول أو مع جماعة الموز علي حد وصفهم فالحوار في حد ذاته ليس جريمة، بل قد يكون الطريق الوحيد لإنقاذ السودان. لكن المشكلة الحقيقية أن كثيراً من السودانيين يتذكرون جيداً سنوات التخوين والتشويه والإقصاء التي مورست ضد كل من دعا إلى هذا الحوار نفسه او العودة إلي منصة التأسيس والعقد الاجتماعي الجديد لذلك فإن السؤال الذي ينتظر الناس إجابته ليس لماذا تجلسون معهم اليوم، بل لماذا كنتم تهاجمون الآخرين بالأمس لأنهم فعلوا الشيء ذاته؟
فالسياسة التي تتغير فيها المواقف أمر طبيعي، أما السياسة التي تتغير فيها المبادئ وفقاً للمصالح فهي التي تثير الشكوك. وإذا كانت الحرب قد علمت الجميع درساً، فهو أن السودان أكبر من الأحزاب وأكبر من الأشخاص، وأن الوطن لا يُبنى بمنطق “من ليس معنا فهو ضدنا”، وإنما بالاعتراف بأن الحوار الذي أصبح ضرورة اليوم كان يمكن أن يجنب البلاد كثيراً من الأزمات لو تم قبوله بالأمس.
وعندما يجلس الخصوم الذين تبادلوا الاتهامات لسنوات طويلة على طاولة واحدة، فإن ذلك لا يطرح سؤالاً عن الماضي فقط، بل يطرح سؤالاً عن المستقبل أيضاً: هل كانت المشكلة في الأشخاص فعلاً، أم في الحسابات السياسية التي جعلت المرفوض بالأمس مقبولاً اليوم؟
إن السودان لن يخرج من أزماته إذا ظل السياسيون يتعاملون مع الحوار باعتباره خيانة عندما يقوم به الخصوم، وحكمة عندما يقومون هم به. فالمبادئ الحقيقية تُقاس بثباتها في أوقات الخلاف، لا بتغيرها مع تغير المصلحة. والتاريخ لا يتذكر من كان أعلى صوتاً في التخوين، بل يتذكر من كان أكثر قدرة على تقديم مصلحة الوطن على الحسابات الضيقة.
ولعل السؤال الذي سيظل معلقاً في أذهان السودانيين طويلا هو: إذا كنتم تستطيعون الجلوس مع بعضكم اليوم، فلماذا لم تقبلوا بذلك قبل أن يدفع الوطن كل هذه الأثمان الباهظة؟
لقد نادى كثيرون منذ فترة ليس بالقصيرة بحوار سوداني–سوداني واسع لا يقوم على الإقصاء ولا على تصنيف القوى السياسية إلى فئات يُسمح لها بالمشاركة وأخرى تُمنع من مجرد الجلوس إلى الطاولة. يومها تعرض أصحاب هذا الرأي لانتقادات حادة، واتُّهم بعضهم بأنهم يروجون للتسويات مع من لا ينبغي الحوار معهم. لكن الواقع أثبت مرة بعد أخرى أن السياسة السودانية تنتهي دائماً إلى النقطة نفسها: لا أحد يستطيع إلغاء أحد، ولا يمكن بناء استقرار دائم عبر سياسة الأبواب المغلقة.
لذلك فإن الحكمة تقتضي الاستفادة من دروس الماضي. فبدلاً من إنتاج دوائر جديدة من العزل والإقصاء، ينبغي البحث عن صيغة وطنية تفتح المجال للحوار حول القضايا الكبرى، لأن الأطراف التي تُرفض اليوم قد تصبح شركاء في الحوار غداً، كما حدث مع أطراف عديدة من قبل. والمشكلة ليست في تغيير المواقف عندما تفرض الظروف ذلك، بل في تحويل الإقصاء إلى مبدأ سياسي ثم التراجع عنه عندما تتبدل الحسابات.
فالسودان لا يحتاج إلى قوائم جديدة للمرفوضين، حزب الامة القومي كان ينسحب من اي حوار يوجد به حزب الامة مبارك الفاضل واليوم نري صورة مختلفة والشعبي كمال عمر يرفض وجود الشعبي الاصل ومازال وإنما السودان يحتاج إلى مشروع وطني يجعل مصلحة البلاد فوق الخصومات، ويضع الحوار بديلاً للتخوين، والتوافق بديلاً للإقصاء، قبل أن نجد أنفسنا بعد سنوات نعود إلى الطاولة نفسها بحثاً عن الحلول التي كان يمكن الوصول إليها منذ البداية.
فالإقصاء لا يصنع سلامًا، بل يؤجل الحوار حتى يصبح ثمنه وطنًا مدمرًا وشعبًا منهكًا. ما نرفض الجلوس معه اليوم قد نضطر إلى التفاوض معه غدًا بعد أن نكون قد خسرنا الأرواح والسنوات والفرص. لذلك، فإن الحوار السوداني السوداني ليس تنازلًا، بل حكمة تمنع تكرار المأساة وتحفظ للسودان مستقبله ووحدته واستقراره.
قال تعالي ( إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب ) صدق الله العظيم ..
وبالله التوفيق
٩ يونيو ٢٠٢٦ م