السودان ينزف جيلاً كاملاً… أين ضمير العالم؟
كابتن طيار عادل المفتي يكتب…
في الشهر الماضي، وخلال زيارتي إلى مدينتي الجميلة الخرطوم، التقيت بالأخ الحبيب محمد زكي، مدير مكتب الإمام الصادق المهدي، عليه الرحمة والرضوان. وهو رجل نذر نفسه للعمل الخيري، وظل يؤدي رسالته في أم درمان ومدينة بحري قبل الحرب وأثناءها وبعدها، ويتولى عضوية مجالس إدارات عدد من المستشفيات والمدارس. دعاني إلى زيارة إحدى المدارس في مدينة بحري للوقوف على احتياجاتها، ثم لبّيت دعوة إخوتي المناضلين من شباب حي ود نوباوي ولجان مقاومة أمدرمان المهتمين بالدفاع عن مدينتهم وبالعمل الخيري ، لزيارة مدرسة أخرى في حي العمدة.

لبيت هذه الدعوات ، وهناك لم أرَ مجرد مبانٍ متصدعة أو فصولٍ خالية، بل رأيت جريمة مكتملة الأركان في حق أجيال كاملة. رأيت مدارس سُلبت منها رسالتها، وفصولًا صمتت فيها أصوات التلاميذ، وساحات كان ينبغي أن تضج بالحياة، فإذا بها تحمل آثار الخراب والدمار. كان المشهد أكبر من أن يُوصف، وأقسى من أن يُحتمل.

وإذا كان هذا هو حال المدارس التي استطعت الوصول إليها، فكيف يكون حال آلاف المدارس والجامعات في الولايات والأقاليم التي لم تطأها قدماي، وهي الأكثر تضررًا والأشد عزلة؟ كم طفلًا حُرم من مقعده الدراسي؟ وكم حلمًا دُفن تحت أنقاض مدرسة؟ وكم مستقبلًا اغتالته هذه الحرب قبل أن يبدأ؟

وقفت مذهولًا، لا أجد جوابًا إلا سؤالًا ظل يطاردني في كل خطوة: أين نحن من العالم؟ وأين العالم من هذه المأساة التي تُرتكب بصمت، بينما يُسرق مستقبل أمة بأكملها أمام أعين الجميع؟

فحين يكتب التاريخ عن السودان، فلن يذكر فقط أن حربًا اندلعت في عام 2023، بين جيش وطني ومليشيا متمردة بل سيكتب أيضًا أن العالم وقف متفرجًا بينما كان جيلٌ كامل يُسلب حقه في التعليم، وفي الطفولة، وفي المستقبل.
إن أكبر مأساة في السودان اليوم ليست سقوط مدينة، ولا انهيار جسر، ولا تدمير محطة وقود ، ولا احتراق سوق، ولا سقوط مسيرة ، بل سقوط ملايين الأطفال خارج أسوار المدارس. فالأوطان تستطيع أن تعيد بناء الحجر، لكنها إذا خسرت الإنسان، خسرت كل شيء.

لقد أصبح الطفل السوداني ( فاقد تربوي ) داخل السودان ، وفي الخارج ، حيثما نزح عجزت أسرته من دفع رسوم دراسته ، ظل الطفل يدفع ثمن حرب لم يخترها، وسياسات لم يصنعها، وصراعات لم يفهم أسبابها. كان ينبغي أن يرتاد مدرسته في الحي فإذا به يتجول في شوارع مدينة فيصل بالقاهرة نازحا ، لا يدري ماذ يفعل ، وكان ينبغي أن يحمل كتابًا، فإذا به يقود عربة كارو، أو يدفع درداقة في الأسواق ، أو يجمع الحطب، ورأيت بأم عيني طفلا يجر عربة أمتعه في مطار بورتسودان أكبر من حجمه، يدفعها بكل قوته فلا تكاد تتحرك من أمامه. وقد ينزل هذا الطفل إلى آبار التعدين العشوائي، أو يعيش في مخيمات النزوح، أو يحلم بالهجرة عبر البحر، حيث يتحول الحلم أحيانًا إلى قبر في أعماق المتوسط.

أي عدالة هذه؟
وأي عالم هذا الذي يتحدث صباح مساء عن حقوق الإنسان، ثم يعجز عن حماية أبسط حقوق الطفل: حقه في التعليم؟
لقد أكدت المواثيق الدولية، أن التعليم حق أصيل لا يجوز أن تسلبه الحرب أو الفقر أو النزوح. لكن ما قيمة النصوص إذا بقي الطفل السوداني بلا مدرسة، وبلا معلم، وبلا كتاب؟
إننا لا نتحدث عن أزمة تعليم، بل عن مشروع لصناعة جيل كامل من الضحايا.

فالطفل الذي يُحرم من المدرسة اليوم قد يجد غدًا عصابة تستقطبه، أو تاجر مخدرات يستغله، أو بندقية تُفرض عليه بدل القلم. ثم نتساءل بعد سنوات: من أين جاءت ٩ طويلة ؟ وكيف تطورت الجريمة المنظمة ؟ ولماذا انتشرت المخدرات؟ وكيف أصبح تجنيد الأطفال أمرًا واقعًا؟ بينما الحقيقة أننا تركنا المدرسة فارغة، فامتلأت الشوارع بكل ما هو أخطر وخطير .
وهذه ليست مبالغة، بل حقيقة أثبتتها تجارب النزاعات المسلحة في أنحاء العالم.
لقد حذرت منظمات الأمم المتحدة مرارًا وبدون ان تمد يد العون و المساعدة اللازمة ، من أن السودان يعيش واحدة من أسوأ أزمات التعليم عالميًا، حيث حُرم ملايين الأطفال من الدراسة، بينما خرجت آلاف المدارس عن الخدمة، وهو ما يهدد بضياع سنوات كاملة من عمر جيل بأكمله.
لكن السؤال الحقيقي ليس:
كم مدرسة دُمِّرت؟ بل: كم طفلًا دُمِّر مستقبله؟
أين مجلس الأمن؟ ومجلس حقوق الإنسان؟ واليونسكو؟وأين اليونيسف؟ والبنك الدولي؟
وأين الدول التي لا تتوقف عن الحديث عن حقوق الإنسان؟
إن البيانات لا تعيد طفلًا إلى مقعده الدراسي.
والإدانات لا تبني مدرسة.
والمؤتمرات لا تصنع مستقبلًا.
إذا كان العالم قادرًا على حشد مليارات الدولارات لإنقاذ اقتصادات ودعم حروب وأزمات في أماكن مختلفة، أفلا يستطيع أن يحشد جزءًا من ذلك لإنقاذ مستقبل ملايين الأطفال السودانيين؟
إن حماية التعليم أثناء النزاعات ليست منّة، ولا عملًا خيريًا، بل واجب قانوني وأخلاقي وإنساني.
وفي الداخل، لا يمكن إعفاء أحد من المسؤولية.
على الكل والقوى السياسية أن تدرك أن معركة التعليم أهم من معركة السلطة.
وعلى الدولة أن تجعل المدرسة منطقة آمنة لا تُمس.
وعلى رجال الأعمال أن يستثمروا في الإنسان قبل الإسمنت.
وعلى الجامعات أن تقود مشروعًا وطنيًا لإنقاذ التعليم.
وعلى الإعلام أن يجعل الطفل السوداني قضيته الأولى، لا خبرًا عابرًا في نهاية النشرات.
كما يجب وقف استغلال الأطفال في التعدين العشوائي، وتجريم تشغيلهم في الأعمال الخطرة، ومنع تجنيدهم في النزاعات المسلحة، ومنع ما تمارسه مليشيا الدعم السريع من ترغيب وترهيب لنظار القبائل وتجنيد الأطفال لصالحها ،
كما يجب توجيه الموارد الوطنية لبناء المدارس، وتأهيل المعلمين وإنصافهم ، وتوفير الدعم النفسي والوجبات المدرسية والتعليم في حالات الطوارئ.
إن الذهب الحقيقي في السودان ليس تحت الأرض…بل فوقها…يمشي على قدمين…
اسمه الطفل السوداني.
فإذا ضاع هذا الطفل، فلن تنفعنا مناجم الذهب، ولا آبار النفط، ولا المشاريع الكبرى.
لقد نهضت اليابان لأنها بنت الإنسان.
ونهضت كوريا الجنوبية لأنها استثمرت في التعليم.
ونهضت رواندا لأنها آمنت بأن المدرسة أقوى من الكراهية.
وحققت المملكة العربية السعودية قفزات كبيرة عندما جعلت الاستثمار في الإنسان والتعليم محورًا رئيسيًا في رؤيتها التنموية.

أما السودان…
فلن ينهض إذا بقي ملايين الأطفال خارج الفصول الدراسية.

رسالتي إلى المجتمع الدولي:
لا تجعلوا السودان مجرد رقم جديد في تقارير الإغاثة.
ولا تجعلوا الطفل السوداني صورةً تُستخدم في حملات التمويل ثم تُنسى.
إن صمتكم، أو بطء تحرككم، لن تمحوه البيانات ولا المؤتمرات. فكل يوم يمر بلا تعليم هو يوم يُسرق من عمر طفل، ولن يستطيع أحد أن يعيد إليه تلك السنوات.

ورسالتي إلى أهلي السودانيين:
قد نختلف في السياسة…
وقد نختلف في الرؤى…
لكن لا ينبغي أن نختلف على طفل يريد أن يتعلم.
فأعماركم السياسية لم يتبقي منها إلا القليل والاعمار بيد الله ، فدعونا نعود لله ، و نجلس ونتحاور ونتفق لإنقاذ الطفل السوداني ..

فالأوطان لا تبدأ من القصور الرئاسية…
ولا من الغالب والمغلوب..
ولا من البيانات السياسية…
بل تبدأ من الفصل الدراسي.
وسيحاكمنا التاريخ جميعًا، لا على عدد الخطب التي ألقيناها، ولا المؤتمرات التي عقدناها، ولا علي رسائل الواتس التي تبادلناها ، بل على سؤال واحد:
ماذا فعلتم عندما كان أطفال السودان يفقدون مستقبلهم؟
فإذا لم ننقذ التعليم اليوم…
فلن نكون قد خسرنا عامًا دراسيًا فقط…
بل ربما خسرنا السودان الذي نحلم به.
وبالبلدي كده… وببساطة شديدة :
لو عاوزين السودان يقوم وينهض من جديد، ركزوا على التعليم وتعليم الأطفال قبل أي شيء.
العمارات بتتبني، والكباري بتتصلح، والطرق بترجع أحسن من أول، لكن الطفل إذا ضاع، وضاع تعليمه، ما في زول بيرجع ليه عمره.
كفاية صراع على السلطة، وكفاية خلافات سياسية. وكفاية إقصاء وإقصاء متبادل ، وبرضو اسألوا أنفسكم: في سفركم وتنقلكم وحضوركم للورش المدفوعة القيمة ، في كينيا الممطرة ، ولبنان الحبيبة ، وإثيوبيا القريبة ، وفي زياراتكم المكوكية لدول العالم و مخاطبتكم للمجتمع الدولي ..
ماذا قدمتم للطفل السوداني؟
الحكم أمانة، والقيادة أمانة، والمسؤولية أمانة. والمعارضة أمانة ، والما قادر يشيل الأمانة، يتركها للأجدر قبل أن يضيع وطنًا كاملًا أسمه السودان .
الحقوا الطفل السوداني قبل أن يصبح فاقدًا تربويًا، أو ضحية للمخدرات، أو للعنف، أو للاستغلال، أو للتجنيد. فكل طفل يدخل المدرسة اليوم، هو مشروع طبيب، أو مهندس، أو معلم، أو طيار أو مزارع، أو قائد يبني هذا الوطن غدًا.
ومع جهلنا وعنادنا وظلمنا للطفل السوداني ولأنفسنا وتحملنا لهذه الامانة الما قدرنا : سيأتي يوم لن يسأل فيه التاريخ من انتصر في الحرب، ولا من حكم السودان، بل سيسأل الجميع:
أين كنتم عندما كان الطفل السوداني يفقد مستقبله؟
قال الله تعالى:
( إنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا )
صدق الله العظيم
فعندما دعاني احبتي لزيارة هذه المدارس ، وأري بنفسي ، فقلت لهم ؛ ليست الرؤية أن ترى ما أمامك، وإنما الرؤية الحقيقية أن تدرك ما وراءه. فكم من عينٍ أبصرت حاضرًا، وغابت عنها العواقب، وكم من بصيرةٍ استشرفت المستقبل قبل أن تراه الأبصار.
أوصيكم أن تجعلوا بصائركم تسبق أبصاركم،
فإن الله تعالى يقول:
﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾
صدق الله العظيم
اللهم هل بلغت؟ اللهم فاشهد