لماذا تتمسك إسرائيل بمرتفعات علي الطاهر اللبنانية؟
شريف ربيع يكتب…
تشكل مرتفعات علي الطاهر بجنوب لبنان أهمية حيوية واستراتيجية بالنسبة لجيش الاحتلال الإسرائيلي؛ لأن تلة علي الطاهر تقع بين بلدتي (كفر تبنيت والنبطية الفوقا) شمال نهر الليطاني، ويبلغ ارتفاعها نحو 600 متر عن سطح البحر؛ وهذا الارتفاع يتيح لها الإشراف على مساحة واسعة من جنوب شرق لبنان خصوصًا قلعة الشقيف ومحيطها، بالإضافة إلى قضاء النبطية وإقليم التفاح وجبل الريحان في قضاء جزين.
وتعد هذه التلة جزءًا ضمن سلسلة مرتفعات تشمل (تلال علي الطاهر والدبشة ورأس الطهرة)، علاوة على أن هذا الموقع قريب للغاية من قلعة “الشقيف” أحد أبرز المرتفعات التاريخية والاستراتيجية في جنوب لبنان، التي أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي السيطرة عليها في شهر مايو الماضي ضمن عملية توسع بري طالت منطقتي مرتفعات الشقيف ووادي السلوقي؛ وهو ما عُدَّ حينذاك أعمق توغل بري لجيش الكيان المحتل امتد شمال نهر الليطاني باتجاه مناطق النبطية والزهراني.
ليس ذلك فحسب، فمرتفعات علي الطاهر تكتسب أهمية إضافية في الذاكرة العسكرية للاحتلال الإسرائيلي؛ فقد كانت هذه المنطقة ضمن آخر المواقع التي أخلاها جيش الاحتلال في جنوب لبنان خلال شهر مايو عام 2000م؛ ما يعني أنها تحولت في نظر عدد من العسكريين الإسرائيليين إلى عقدة ورمز للانسحاب.
مما سبق يتضح لماذا يصعِّد جيش الاحتلال الإسرائيلي هجماته العسكرية على تلك المنطقة ومناطق جنوب نهر الليطاني؛ فقد شن غارات جوية على مرتفعات علي الطاهر يومي السبت والأحد الماضيين، وأعلن عدم تخليه عنها، ونقلت القناة “12” الإسرائيلية أن جيش بلادها “أحبط محاولات لإمداد عناصر من حزب الله محاصرين في محيط المنطقة”، ولا يزال التصعيد مستمرًّا والضربات متواصلة ما بين غارات جوية وقصف مدفعي وعمليات تفجير ونسف، بالإضافة إلى الطلعات الجوية والاستطلاع عبر المسيرات، ويسعى جيش الاحتلال خلال الأيام المقبلة إلى السيطرة على مجمع أنفاق يزعم أنه تابع لـ”حزب الله” أقام فيه منشأة عسكرية كبيرة بمرتفعات علي الطاهر، ويتهم الحزب كذلك بأنه حول تلك المرتفعات والمناطق المحيطة بها إلى مركز قيادة عسكري رئيسٍ في الجنوب دون تقديم أدلة على ذلك.
أبرز نقاط الخلاف التفاوضية
مرتفعات علي الطاهر باتت الآن أحد أبرز نقاط الخلاف في التفاوض بين لبنان ودولة الاحتلال؛ بل أصبحت لا تمثل مجرد هدف عسكري بالنسبة للكيان المحتل؛ فقد تحولت إلى ورقة ضغط لديه ترتبط مباشرة بمسار المفاوضات، ويبدو جليًّا أن دولة الاحتلال الإسرائيلي لن تقبل بمناطق تجريبية جديدة قبل الانتهاء من “علي الطاهر”؛ وهي تضغط من خلال هذه الورقة لكي يتسلم الجيش اللبناني مرتفعات علي الطاهر والبنية التحتية وينسحب منها “حزب الله”، وبالطبع تحت رعاية أمريكية.
هذه المناطق التجريبية عبارة عن آلية ميدانية متدرجة كخطوة أولى قبل توسيع نطاقها وسط رقابة دولية أُقرت ضمن الاتفاق الإطاري بين لبنان ودولة الاحتلال الإسرائيلي في شهر يونيو الماضي؛ من أجل اختبار إعادة انتشار القوات وتسليم السيطرة تدريجيًّا للجيش اللبناني في قرى جنوب لبنان؛ بهدف اختبار قوة الجيش اللبناني وقدرته على فرض سيطرته، والتأكد من خلو تلك المناطق من أي مظاهر عسكرية غير حكومية.
في هذا الصدد، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية “أن عملية المناطق التجريبية تظل -من وجهة نظر واشنطن- المسار العملي الوحيد لتحقيق السلام والأمن على المدى الطويل لكلا الطرفين لبنان وإسرائيل”، مشددًا على أن نزع سلاح “حزب الله” جزء لا يتجزأ من هذه العملية.
وقال المتحدث في تصريحات صحفية: “إن الولايات المتحدة الأمريكية تتطلع إلى استكمال الجيش اللبناني عملياته في أولى المناطق التجريبية، على أن تتوسع العملية بعد التحقق من إنجاز العمليات في تلك المناطق”. مؤكدًا استمرار دعم بلاده اتفاقَ “الإطار الثلاثي”، ضمن نطاق اهتمامها بتحقيق الاستقرار الإقليمي ومنع اندلاع مزيد من الصراعات في المنطقة والتزامًا بأجندة الرئيس ترامب بهدف تعزيز السلام بين الدول.
تصريحاته هذه تضع ملف نزع سلاح “حزب الله” في صلب الرؤية الأمريكية لتحقيق مسار “المناطق التجريبية”، مع ربط الانتقال إلى مراحل أوسع من هذه العملية بمدى إنجاز الجيش اللبناني مهامه في المناطق الأولى والتحقق من إتمامها وإكمالها؛ وهو ما يشكل عقبة رئيسة في المسار التفاوضي ويشي باستمرار بقاء قوات الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان لأجل غير مسمى؛ لأن “حزب الله” لن يسلم سلاحه ولا الجيش اللبناني -مع كل أسف- قادر حتى الآن على نزع سلاحه.