مقتل “جلحة”.. ضربة موجعة للدعم السريع أم مجرد خسارة ميدانية؟
تقرير: رشا حسن
في وقت يشهد فيه الجيش السوداني تقدمًا في الخرطوم وسط معارك عنيفة مع قوات الدعم السريع، أعلن عمران عبد الله، مستشار قائد قوات الدعم السريع، مقتل القائد الميداني رحمة الله المهدي، الشهير بـ”جلحة”، أمس الثلاثاء، دون أن يحدد ملابسات أو مكان مقتله.
في الأثناء، أكدت قوات الدعم السريع مقتل “جلحة” وشقيقه، وسط تضارب الأنباء حول كيفية مقتلهما. غير أن مصادر متطابقة أفادت بأنه قُتل في غارة جوية شرقي العاصمة الخرطوم، حيث استهدفت طائرة مسيّرة رتلًا من السيارات في منطقة الوادي الأخضر بمحلية شرق النيل.
وأثار مقتل “جلحة” تساؤلات حول مدى تأثيره على تماسك قوات الدعم السريع ومسار المعارك الميدانية، خاصة أنه كان أحد القادة البارزين في العمليات العسكرية.
“تصفية جلحة”
ويقول الصحفي عمار عركي إن مسار الحرب تجاوز مسألة وجود أو عدم وجود القيادات، نظرًا لفقدان قوات الدعم السريع ميزة التحكم والسيطرة القيادية. وأضاف أن “جلحة” لم يكن له تأثير مباشر وفعّال في الميدان، وأن حديثه وظهوره الإعلامي كانا أكثر من أفعاله ووجوده الميداني.
وأشار عركي في حديثه لـ”الوجهة24″ إلى أن ظاهرة تصفية القيادات لأسباب قبلية سبقتها عمليات تصفية ميدانية وسجن على مستوى القيادات الأدنى والأفراد، ما يعكس تفكك وانحلال الدعم السريع. واعتبر أن من الصعب إعادة تماسكها وتوازنها، في ظل تفشي الشك والخيانة والغدر والعنصرية، والتي بلغت مراحل التصفية العلنية والاشتباكات والاقتتال، كما حدث في شرق النيل ومدينة الرياض بالخرطوم.
وأوضح أن الدعم السريع لم يعد لديها مجال للمناورة أو التخطيط، بعدما فقدت البوصلة والاتجاهات نتيجة الضربات والصدمات المتتالية، التي أفقدتها القدرة على التفكير والتخطيط، وباتت كل قواتها تسعى فقط للهروب والانسحاب نحو معاقلها وملاذاتها الآمنة غربًا.
ولفت إلى أن التحركات والتصريحات الأخيرة التي صدرت عن “جلحة” عقب تحرير سنجة ومقتل البيشي اعتُبرت من دوافع تصفيته، خاصة مع ما تردد عن تواصله مع الجيش بغرض الاستسلام والانضمام إليه، حيث كان يتحيّن الفرصة والتوقيت المناسب. وأضاف أن الاختراق الاستخباري الناجح للدعم السريع كان أحد العوامل الرئيسية في هزائمها المتتالية، وانتصارات الجيش.
“تماسك هش”
فيما يرى المحلل السياسي راشد محمد أن تكوين قوات الدعم السريع قائم على علاقة عرقية، وليس مرتبطًا بعقيدة قتالية، بل بمفهوم يحمل درجة من الانغلاق نحو تحقيق الغايات الإثنية والعرقية والقبلية، مما يجعل تماسك هذه القوات هشًّا إلى درجة قد تدفعها للاقتتال الداخلي في أي مستوى من المستويات.
وقال محمد في حديثه لـ”الوجهة24″ إن السبب الرئيسي لذلك هو أن المفاهيم المغذية لقوات الدعم السريع ترتبط بتكوينها الإثني والعرقي، مما يؤثر على تماسكها، إذ قد تعود إلى مكوناتها الأولية، وهي التكوينات العرقية. ولفت إلى أن ذلك يضعف مسار المعركة، إذ لا تستطيع هذه القوات مواجهة الجيش المنظم.
ويعتقد محمد أن قوات الدعم السريع تفتقر إلى القدرة على استخدام أي شكل من التكتيكات القتالية، كما أنها غير قادرة على إعادة حساباتها في التموضع. وأضاف أن مقتل القادة المدنيين في الدعم السريع لا يشير إلى أي اختراق استخباراتي، إذ لم يكن هناك جهد استخباراتي كبير في ذلك، بل كان نتيجة مواجهات ميدانية طبيعية.
“مقتل غامض”
بينما يقول نائب المدير العام لمركز الراصد للدراسات السياسية والإستراتيجية، الفاتح عثمان محجوب، إن القائد “جلحة” يعدّ من كبار قادة الدعم السريع، وقد صاحب انضمامه إلى هذه القوات ضجة كبيرة، إذ جاء من ليبيا بمتحرك عسكري ضخم. وأضاف أن انضمامه إلى قوات الدعم السريع كان بمثابة إعلان رسمي من حكومة الإمارات العربية المتحدة عن عزمها حسم المعركة في السودان لصالح الدعم السريع، مهما كان الثمن.
واعتبر محجوب في حديثه لـ”الوجهة24″ أن الرجل تم الترويج له على أنه يقود خمسين ألف جندي، وهو بالطبع رقم غير صحيح، لكن قيادة الدعم السريع قصدت بذلك إحباط قيادة الجيش وإرغامها على الاستسلام. وأضاف أن القائد “جلحة” لم يكن مندمجًا بشكل سلس مع المكونات القديمة للدعم السريع، ولا مع التراتبية الرسمية التي تحكم عمل تلك القوات، حيث يحتل الرزيقات زعامة الدعم السريع، بينما يشكل المسيرية غالبية جنودها.
وأوضح أن “جلحة” ينتمي إلى المسيرية، مما أدى إلى توترات عديدة بينه وبين زعماء الرزيقات، وهو ما تسبب في انتشار شائعات متكررة حول تصفيته على يد الرزيقات أو حبسه في السجن. ولهذا، عندما قُتل القائد “جلحة” وشقيقه، ثارت أقاويل كثيرة حول الجهة التي قتلته. فبينما تبنّت قوات الدعم السريع رواية تفيد بأنه قُتل بواسطة مسيّرة تابعة للجيش السوداني، اتهمت وسائط التواصل الاجتماعي الرزيقات بتصفيته، ما أشعل موجة من الاتهامات المتبادلة والشتائم العنيفة بين أبناء القبيلتين على وسائل التواصل الاجتماعي، تبعها اقتتال عنيف وهمجي بينهما.
ويرى محجوب أن أهمية مقتل “جلحة” تنبع من مكانته ورمزيته بالنسبة للمسيرية، إذ يصعب تعويضه. كما أن مقتله قد يفتح الباب واسعًا أمام انسحاب المسيرية من قوات الدعم السريع، ما لم تنجح قيادة الدعم السريع في تسويق روايتها حول الجهة التي قتلته، وإقناع جنودها وضباطها من قبيلة المسيرية بها