انتقاص سيادة الإقرار المسبق “٤” عزمي عبد الرازق يكتب
انتقاص سيادة بالإقرار المسبق “٤”
عزمي عبد الرازق
مع تطبيق نظام الإقرار المسبق للشحنات، لم يعد البحر السوداني حدوداً سيادية محروسة، بل شاشة مراقبة مكشوفة؛ يمكن عبرها التمييز بسهولة بين سفينة تحمل قمحاً وأخرى تحمل سلاحاً أو معدات عسكرية، فقط عبر الرصد والتتبع المسبق للسفن التجارية وما تحمله في أحشائها، والأخطر من ذلك أن السفن غير المسجلة ضمن هذا النظام لا تصبح خارج المشهد، بل تدخل تلقائياً في دائرة الشبهة والرصد، وكأن البحر نفسه وُضع تحت وصاية غير معلنة.
وهنا نحن لا نتحدث عن تسهيل إجراءات أو تحديث أنظمة، بل عن تفريغ مفهوم السيادة البحرية من مضمونه، وتحويل الموانئ إلى نقاط بث معلومات، لا نقاط حماية مصالح وطنية. هذا هو الوجه المسكوت عنه لنظام يُسوّق له كإجراء إداري، بينما هو في جوهره كشفٌ أمنيٌّ كامل، يمكن أن نطلق عليه بلا مواربة، سيادة بالإقرار المسبق، وأمن مؤجل إلى إشعار آخر.
ثمة سؤال أبسط أكثر إلحاحاً: ما ذنب المواطن السوداني حتى يُجبر على دفع ملايين الدولارات في نظام لا يضيف قيمة، ولا يحقق نفعاً، ولا يقدّم سوى طبقة جديدة من الغموض؟ فمنذ الشروع في تطبيق هذا النظام المشبوه، القائم على دفوعات هشة لا تصمد أمام أول اختبار منطقي، بدا الارتباك واضحاً في إجراءات الاستيراد، جميع شركاء العملية – موردون، مستوردون، مخلصو جمارك، ووكلاء خطوط ملاحية – ما زالوا يسألون السؤال ذاته: كيف نتعامل مع هذا الكائن الإداري الغامض القابع في دويلة الشر ومن خلفها الكيان اياه؟
أما النسخة الإلكترونية التي وفّرها موقع الجمارك، فهي مكتوبة بلغة إنجليزية ضعيفة، مربكة، ومحدودة المحتوى، تعود إلى عام 2024، وكأننا بصدد نظام أُخرج من درج منسي، لا مشروع إصلاح مؤسسي.
وزارة التجارة والصناعة ليست في الصورة، ولم تصدر بياناً، ولم تعلن موقفاً، ومنسوبوها أنفسهم لا يعرفون شيئاً عن البرنامج، أما سلطات الجمارك، فلم تتكرم – حتى اللحظة – بعقد ورشة تنويرية واحدة لشركائها الطبيعيين في عملية الاستيراد، وهنا يطفو السؤال الذي لا يمكن القفز فوقه: أين إدارة المخاطر بجمارك البحر الأحمر؟ هذه مسؤوليتكم المباشرة، فلماذا هذا الصمت؟ ولماذا يبدو المشهد وكأنه تواطؤ ناعم مع الإدارة العليا، وعلى حساب الشعب السوداني؟
غرفة المستوردين طالبت بإخضاع النظام لمزيد من الدراسة، وعددت سلبياته بنداً بنداً، لكن لا أحد يستجيب.. في المقابل تقف الشركات الأجنبية متأهبة لكنز مصروفات الإصدار الدولارية، وهى متوسط 4 دولارات عن كل طن يدخل البلاد عبر كافة الموانئ السودانية، وهذا بالضبط نزيف عملة صعبة، بلا نقاش عام، وبلا مساءلة.. ولمن يقولون إن هذه الرسوم يدفعها الشاحن، نقول: نعم، شكلياً.. لكن من يتحملها فعلياً هو
المواطن، هذه مسألة بدهية فالتاجر لا يتحمل رسوم الحكومة لوحده.
لا زلت مصرا بأن هذا النظام لا يقدم أي جديد على صعيد التخليص الجمركي، ولا يضفي مصداقية حقيقية على الفواتير، ولا يحسم وصف البضائع، فالجمارك نفسها لن تقبل الفواتير المقدمة عبره على علاتها، بل ستخضعها لتقييمها الخاص، ووصف البضاعة لن يُعتمد نهائياً دون الفحص الميداني عند الوصول.
فإن كانت الجمارك ستقبل كل ما يرد عبر هذا النظام دون تدقيق، فقد فرّطت في الإيرادات السيادية وعرّضت أمن البلاد للخطر، وإن لم تقبل – وهو الواقع – فما جدوى هذا النظام أصلاً؟ ثم دعونا نكون أكثر صراحة: هذا ليس نظاماً عالمياً، هو نظام أفريقي بحت، تطبقه أضعف الدول الأفريقية، ولا تعمل به الدول ذات الأنظمة الجمركية الرصينة.
أما التحول الرقمي، فبريء من هذه التهمة، إذ أن وزارة التحول الرقمي – صاحبة الاختصاص – لم تتبن النظام، بل جرى تمريره تحت لافتة “الشراكة الذكية” بين الجمارك وشركة Sustain & Able، وهى تسمية أنيقة لقرار غامض، لا يخلو من “كمشنات” فلماذا هذا الإصرار؟ ولماذا كل هذه الضبابية؟ ومن يقف فعلاً وراء هذا النظام؟
أسئلة مشروعة، ولكنها عمياء، الأجوبة وحدها هى التي ترى على قول أحلام مستغانمي.