ماذا بعد انتهاء معاهدة نيوستارت؟
كتب- شريف ربيع
يقف العالم الآن على أعتاب مرحلة جديدة ويواجه تحديًا كبيرًا أما جهود الحفاظ على الاستقرار الاستراتيجي العالمي بعد انتهاء العمل بمعاهدة “نيو ستارت” يوم الخميس الماضي؛ وهي آخر معاهدة ثنائية لضبط منظومة التسلح النووي بين روسيا وأمريكا؛ وهو ما يثير قلقًا بخصوص انتشار الأسلحة النووية لا سيما في ظل الحرب الروسية الأوكرانية واشتعال الصراع في مناطق أخرى.
وقد أعلنت موسكو أنها لم تعد ملتزمة بتلك المعاهدة، كما أن الصين أعلنت نيتها -خلال الفترة الحالية- عدم مشاركتها في محادثات نزع السلاح النووي. وقال سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي: “انتهاء معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (ستارت) يظهر أن الحلفاء الرئيسيين لروسيا هم الجيش والبحرية والقوات الجوية”.
وأضاف لافروف خلال لقاء تلفزيوني: “”نحن واثقون من حالة أنظمتنا هذه، ونحن على ثقة تامة بأن هذا سيضمن أمننا بشكل موثوق تمامًا” و”خصوم روسيا يدركون أنهم إذا حاولوا القيام بأي أعمال عدوانية أو تقويض سيادة روسيا؛ فقد يتلقون ردًّا غير مقبول على الإطلاق” و”هذه هي أسس الردع النووي التي كانت موجودة دائمًا”.
معاهدة “نيو ستارت” اسمها الرسمي “تدابير زيادة تخفيض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية والحد منها” هي الشكل الجديدة لمعاهدة سابقة أبرمت في عام 2002م، وكان اسمها وقتذاك “معاهدة خفض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية” التي مع انتهائها جرى التوصل إلى “نيوستارت” المنتهية حاليًّا هي الأخرى.
وُقعت “نيو ستارت” بين موسكو وواشنطن عام 2010م، ودخلت حيز التنفيذ الفعلي خلال عام 2011م، إبَّان عهد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما حين اتفق مع نظيره الروسي حينذاك ديميتري ميدفيديف على هذه المعاهدة للحد من الرؤوس النووية الحربية التي يمكن للطرفين نشرهما. وقد أبرمت المعاهدة رسميًّا في شهر فبراير من عام 2011م بعد مصادقة الكونجرس الأمريكي ومجلس الدوما الروسي لمدة 10 أعوام؛ ومع تولي الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن الرئاسة عام 2021م مُددت المعاهدة لمدة 5 سنوات أُخَر.
قيود المعاهدة
وضعت المعاهدة سقوفًا واضحة للرؤوس النووية الاستراتيجية ووسائل إيصالها، وأرست كذلك آليات تحقق وتفتيش متبادل عززت الشفافية وخففت من منطق الشك وسوء التقدير؛ فبحسبها يلتزم الطرفان بإجراء عمليات تفتيش مكونة من خبراء من البلدين بالتساوي؛ للتحقق من مدى الالتزام بها، وإخضاع الأسلحة النووية والاستراتيجية لجميع البنود المتفق عليها.
وتفرض المعاهدة عدم نشر الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا أكثر من 1550 رأسًا نوويًّا استراتيجيًّا في القاذفات بعيدة المدى والغواصات، وكذلك مئات المنصات الثابتة والمتحركة لإطلاق الصواريخ النووية، و700 صاروخ نووي بعيد المدى في القواعد الأرضية، فضلًا عن قاذفات القنابل، وتتضمن أيضًا بنودًا ذات صلة بالصواريخ العابرة للقارات. لكن رغم ذلك فالمعاهدة لا تقيد البلدين في عمليات التطوير والاختبار للأسلحة النووية والبرامج الصاروخية بعيدة المدى القادرة على حمل رؤوس نووية.
وبخصوص عمليات التفتيش والتحقق تنص “نيوستارت” على أنه يحق لكل طرف إجراء نحو 18 عملية تفتيش على مواقع الأسلحة النووية سنويًّا للتأكد من الالتزام بالبنود. وعلى الرغم من انتهاء المعاهدة يوم الميس الماضي فقط فإن عمليات التفتيش متوقفة منذ 5 أعوام؛ فقد عُلقت بسبب جائحة “كوفيد 19″، ولم تُستأنف بعد ذلك، وزاد هذا الوضع سوءًا مع اندلاع الصراع المسلح بين روسيا وأوكرانيا وما صاحبه من التصعيد الغربي ضد موسكو بقيادة واشنطن.
وترى أمريكا أن أي معاهدة جديدة يجب أن تكون أكثر شمولًا بما في ذلك إشراك الصين؛ لكن طلبها هذا سيصطدم برفض بكين القاطع باعتبار أن ما لديا من أسلحة نووية لا تُقارن بحجم ما تملكه موسكو وواشنطن. وعلى الجانب الآخر تشترط روسيا كذلك إدخال فرنسا وبريطانيا في أي تفاوض متعدد الأطراف بهذا الخصوص؛ على اعتبار أن تجاهل القدرات النووية الأوروبية يخل بمبدأ التوازن الاستراتيجي العالمي.
ما سبق يؤكد أن النظام الدولي يدخل فعليًّا في واقع نووي لا تحكمه ضوابط أو قيود، وانتهاء المعاهدة يفتح الباب على مرحلة ضبابية بعد زوال آخر ضمانات الأمان؛ ما سيفتح الباب على مصراعيه لسباق التسلح النووي غير المنضبط، مع عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات الأطراف المتصارعة؛ وبما أن بكين لا تعتزم الدخول الآن في اتفاقيات متعددة الأطراف، فإن واشنطن أيضًا لن تكون مستعدة لإبرام معاهدة جديدة مع موسكو.