آخر الأخبار
الوجهة 24 تنشر عناوين الصحف البارزة لليوم السبت السودان يجدد حضوره الدولي بعضوية المجلس التنفيذي للحماية المدنية مجزرة بالمسيّرات في أمهرة شرطة الجزيرة تحسم الجدل بشأن شائعة تسميم مياه الشرب تصريحات ساخنة لوالي نهر النيل عقب استهداف محطة كهرباء شندي زيارة مفاجئة لوالي الخرطوم تكشف ما يدور داخل محطات الوقود جامعة الفاشر تكشف حصيلة صادمة لضحايا الحصار والسقوط القبض على آكل بشر في أوغندا الكشف عن تفاصيل موافقة الخرطوم على المبادرة الأوروبية وموقف بروكسل الكهرباء تكشف عن برمجة جديدة للإمداد تفاصيل لقاء البرهان وبوتين من يستخرج ويبيع ذهب السودان؟.. جبريل إبراهيم يكشف كواليس التعدين والتهريب اللواء صديق عبد الرحمن أندر يعلن انشقاقه عن المليشيا وانضمامه إلى الجيش السوداني مناوي يبحث مع وزير الصحة الماليزي الإحتياجات الصحية بإقليم دارفور  وفد إيساف يختتم زيارته للخرطوم من الصحافة التقليدية إلى غرف الأخبار الذكية: كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل صناعة الإعلام؟ من داخل الحدود الإثيوبية .. عبد الرحيم دقلو يباشر عمليات التجنيد لعناصر من قبيلتي النوير والمابان البرهان يقترح على الرئيس الروسي إقامة منطقة حرة على البحر الأحمر بيان من  لجنة أمن شندي قائد بارز في المليشيا يستعد للانشقاق والانضمام إلى الجيش

في أول مقال لها عقب خروجها من محبسها .. رشان أوشي تكتب: أيام في سجن بورتسودان

وجوه خلف الأسوار (١)

أيام في سجن بورتسودان

رشان أوشي 

 

في صباح ١٨/مايو/2026م. كنت في طريقي إلى المحكمة وأنا على يقين بأن الدعوى المرفوعة ضدي ستُشطب. فقد استغرقت إجراءات التقاضي نحو عام ونصف، تنقّل خلالها الدفاع بين البينات، واستجلاب شهود من ضباط الشرطة وآخرين، وتقديم المستندات. لكن الأقدار كان لها مسار آخر؛ فبعد أقل من ساعتين فقط، وجدت نفسي نزيلة في سجن بورتسودان المحلي.

 

لا أرغب في الخوض في تفاصيل القضية، فقد قالت المحكمة العليا كلمتها وأطلقت سراحي، واحترام أحكام القضاء يبقى مبدأ راسخ، حتى عندما يترك الحكم في النفس مرارة لا تنسى.

 

لكن ما يستحق أن يروى حقا، لم يكن القضية، بل العالم الذي انفتح أمامي خلف الأسوار.

 

هناك، داخل قسم النساء، سقطت فجأة كل الصور النمطية التي يرسمها الخارج عن السجون. لم أجد ملفات جنائية فحسب، بل وجدت بشر؛ نساء وفتيات، لكل واحدة منهن حكاية أثقلتها الحرب، أو الفقر، أو الجهل، أو لحظة ضعف غيرت مسار العمر كله.

 

رأيت فتيات لم يتجاوزن التاسعة عشرة من أعمارهن، ونساء من طبقات اجتماعية مختلفة، جمعتهن زنزانة واحدة وفرقتهن الأسباب. وبينما كنت أستمع إلى رواياتهن، أدركت أن الحرب لا تقتل في ساحات القتال وحدها، بل تمتد لتصنع جرائم لم يكن أصحابها ليقتربوا منها في ظروف الحياة الطبيعية. خرجت من تلك التجربة وأنا أحمل في قلبي قهرا، على كل من أسهم في صناعة هذا الواقع؛ من اتخذ قرار أشعل الحرب، ومن خان وطنه، ومن ترك الفقر يتمدد حتى صار شريك في صناعة الجريمة.

 

ورغم قسوة المكان، كانت هناك صورة أخرى تستحق الإنصاف.

وجدت إدارة للسجن تعمل بانضباط صارم، يندر أن تراه في كثير من المؤسسات. قانون يطبق على الجميع دون استثناء، وقائمة طويلة من الممنوعات لا يتجاوز فيها شيء، حتى مستحضرات التجميل. قد يبدو ذلك تشددا للبعض، لكنه يعكس فلسفة واضحة في إدارة المؤسسة، قوامها أن النظام لا يتجزأ.

 

ويقف على رأس قسم النساء الرائد نور حسن والنقيب إقبال؛ ضابطتان نجحتا في تحقيق معادلة ليست سهلة، تجمع بين الحزم والإنسانية، وبين هيبة القانون واحترام الكرامة. وفي كل حركة داخل القسم كان يمكن ملاحظة هذا التوازن الدقيق، الذي لا يسمح بانفلات النظام، ولا يُسقط عن النزيلات حقهن في المعاملة الكريمة.

 

وإلى جانبهما تعمل مجموعة من ضباط الصف والجنود، لكل منهم دوره في إدارة يوم يبدأ قبل الجميع وينتهي بعد الجميع. كان من بينهم “حضرة الصول” نادية، ومحاسن، وإخلاص، ومن بعدهن رتب مختلفة وصولا إلى وكيل عريف مريم و الجنديتان زينب وأمنية، وهم في مقتبل العمر، دفعت بهم ظروف الحياة إلى مهنة ليست سهلة. كن يحاولن، مع زميلاتهم، إدارة شؤون اثنتين وستين نزيلة، في مشهد يمتزج فيه الصياح المتكرر بالضحكات التي تأتي فجأة، وكأنها استراحة قصيرة تنتزعها الإنسانية من قلب المشقة.

 

أما لجان فتح وإغلاق السجن، التي يشارك فيها ضباط من الرجال برتب مختلفة ، فقد لفتني ما يتحلون به من أدب واحترام في التعامل. ويشرف على المنظومة كلها المقدم عبد الكريم، مدير السجن المحلي؛ رجل قليل الابتسام، لكنه حاضر الذهن، منصت جيد، وحاسم حين يتطلب الأمر الحسم.

 

لقد صنعت الظروف داخل هذا المكان مجتمع متكامل، له قوانينه ، ولغته الخاصة، وتوازناته الإنسانية المعقدة. مجتمع قد يبدو مغلقا عن العالم، لكنه في الحقيقة مرآة صادقة له؛ تتكثف فيه آثار الحرب، والفقر، والعدالة، والظلم، والأمل، في مساحة واحدة ضيقة.

هذه ليست شهادة عن السجن بقدر ما هي شهادة عن الإنسان حين يوضع في أقصى ظروفه.

 

وفي الحلقات القادمة، سنقترب أكثر من النزيلات أنفسهن؛ من الحكايات التي لا تنتهي، ومن الوجوه التي تختبئ خلفها أسئلة أكبر بكثير من جدران السجن.

محبتي واحترامي

قد يعجبك ايضا