عقلية القناص.. بين “خروتشوف” و”البرهان”
عقلية القناص.. بين “خروتشوف” و”البرهان” ..
رشان أوشي
في السياسة، الشعبية لا تصنعها الخطب الرنانة وحدها؛ أحياناً تصنعها مائدة يجلس إليها الحاكم مع الناس.
كان “نيكيتا خروتشوف”، أحد أبرز قادة الاتحاد السوفيتي، يدرك قوة الصورة التي تجعل الزعيم يبدو قريباً من العامة؛ كان “خروتشوف” يخرج من مكتبه إلى المصانع والمزارع، يتحدث مع العمال والفلاحين، ويشاركهم تفاصيل حياتهم.واليوم، يقدم الرئيس “عبدالفتاح البرهان”، في بعض جولاته، مشهد مشابه، رئيس يترك البروتوكول جانباً، ويجلس إلى مائدة المواطنين، يأكل مما يأكلون ويتحدث بلغتهم. حتى إن أبرز خطاباته ورسائله السياسية كثيراً ما خرجت من مناسبات غير رسمية، وهو ما أسهم في تقديمه بصورة الرئيس الشعبوي القادم من الريف السوداني، وليس باعتباره رمز نخبوي يقود مشروع أيديولوجي.
قد تختلف التجارب والسياقات التاريخية، لكن الرسالة السياسية واحدة: “كسر المسافة بين الحاكم والمحكوم”.
وفي هذه الزاوية تحديداً، يمكن أن تلمح في شخصيته شيئاً من “خروتشوف”: العفوية، والجرأة، والتناقض الظاهري. مواقف تراها النخبة السياسية متناقضة، بينما قد تكون، عند قراءة سياقها السياسي، جزءاً من طريقة مختلفة في إدارة الصراع واقتناص الفرص.
فالبرهان قائد عسكري، وخبرة الميدان تصنع عقلاً مختلفاً في التعامل مع الأزمات؛ عقل يراقب اللحظة، يقرأ ميزان القوة، وينتظر الفرصة المناسبة لاقتناصها. وربما لهذا يمكن وصف طريقته السياسية بأنها أقرب إلى عقلية القناص، لا يطلق النار في كل الاتجاهات، وإنما ينتظر اللحظة التي يرى فيها الهدف السياسي واضحاً.
ومن أفضل النماذج على ذلك مشروع الحوار السوداني ـ السوداني.
وجد “البرهان” القوى السياسية غارقة في حالة من التيه، تتنازعها الحسابات الداخلية وتستقطبها اللوبيهات الدولية، بينما يتراجع رصيدها الجماهيري يوماً بعد آخر، فاختار أن يفتح لها باباً للنقاش من داخل البيت السوداني، بدلاً من أن تظل رهينة للمنصات الخارجية.
الحوار، في جوهره، يمنح القوى السياسية فرصة أخيرة لمراجعة أخطائها التاريخية، وأن تقدم، ولو لمرة واحدة، موقفاً يضع مصلحة السودان فوق الحسابات الحزبية والمكاسب الشخصية.
واللافت أن “البرهان”، وهو يجلس على قمة هرم السلطة، لا يبدو كمن يريد احتكار النادي السياسي لنفسه، بل كمن يدرك أن استقرار الحكم نفسه يحتاج إلى استعادة السياسة لعافيتها، وإلى إعادة بناء طبقة سياسية قادرة على قيادة مشروع وطني.
لكن ردود الفعل على مبادرة الحوار السوداني تكشف، بكل أسف، أن جزءاً من النخبة السياسية لا يزال أسير معادلته الصفرية القديمة: إما أن نصل إلى السلطة، أو لا يصل إليها أحد. والمشكلة أن بعض هذه القوى ما زالت تتعامل مع السلطة باعتبارها غنيمة، وتبحث عن الطريق الأقصر إليها؛ حتى لو كان عبر سلاح المليشيات أو اللوبيهات الخارجية، بدلاً من صناديق الاقتراع والآليات السياسية الناعمة.
وهنا يفرض الواقع سؤالاً ملحاً: لماذا تخشى النخبة السياسية السودانية صناديق الانتخابات؟
الإجابة، في جانب كبير منها، أن هذه النخبة أصبحت منفصلة عن الشارع. على مدى عقود، استنزفت الأحزاب والقوى السياسية رصيدها الجماهيري عبر مواقف وصراعات وانقسامات متتالية، حتى جاءت حرب 15 أبريل لتكشف حجم الفجوة بين كثير من السياسيين وبين المجتمع. سقطت الأقنعة، ووجدت قطاعات واسعة من النخبة نفسها عارية أمام التاريخ، بعدما أصبح المواطن السوداني أكثر قسوة في تقييمه لمن وقف معه ومن خذله.
لهذا، فإن نجاح الحوار السوداني، حتى وإن كان مرحلياً، يمكن أن يفتح الباب أمام إعادة تشكيل المشهد السياسي، وإنتاج مناخ جديد يسمح بتصحيح المسار، وإنهاء الأوضاع الدستورية والسياسية الاستثنائية، والعودة تدريجياً إلى المؤسسات والشرعية الشعبية.
وقد يجد هذا المسار، إذا صدقت النوايا، تأييد شعبي واسع؛ لأن السودانيين، بعد سنوات الحرب، لم يعودوا يبحثون عن بطل سياسي جديد بقدر ما يبحثون عن عافية الدولة.
أما النخبة التي تختار رفض الحوار، وتصر على إدارة صراعها من الخارج، فقد تدخل تدريجياً في مرحلة يمكن وصفها ب “السالب الجماهيري”، أي فقدان ما تبقى من رصيدها الشعبي، لتجد نفسها تعيش بالمنافي ورهن اللوبيات الدولية، وأبعد عن الشارع الذي تدعي تمثيله.
في النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي: من سيحكم السودان؟ بل: من يستطيع أن يستعيد ثقة السودانيين؟
وهذه المعركة لن تحسمها الخطب الرنانة، ولا غرفة الفنادق، ولا المواقف المصنوعة في الخارج، بل ستحسمها مائدة يجلس إليها الحاكم مع الناس، وصندوق اقتراع يذهب إليه الناس ليختاروا من يحكمهم.
محبتي واحترامي