آخر الأخبار
قوة جديدة من المليشيا تسلم نفسها للقوات المسلحة من عِفّة الجرسون إلى فساد الخدمة المدنية: هل نستعيد السودان الذي كان؟ وزير الخارجية إلى الكويت و رسالة من "البرهان"  لـ" مشعل الصباح" منتخب الشباب لكرة القدم يتوجه إلى رواندا وزارة التحول الرقمي والإتصالات تعلن نظام لتحديث البيانات عن بعد "مع شيخ الزين".. هيئاً لك بـ " تاج الكرامة" لجنة المعلمين السودانيين ترد على المؤتمر الوطني .. بيان تقوم على أساس عرقي .. المليشيا تنفذ حملة إعتقال واسعة بالنهود الوجهة 24 تنشر عناوين الصحف البارزة لليوم الأربعاء وزير الدفاع يضع خطوطاً حمراء لما بعد الحرب لماذا تتمسك إسرائيل بمرتفعات علي الطاهر اللبنانية؟ توجيهات للسفارة السودانية بلندن بمتابعة ملف تأشيرات الطلاب المالية تتجه لتوحيد بيانات الشركات الحكومية عبر منصة إلكترونية ضبط أسلحة وذخائر وأزياء عسكرية في العمارات في محبة شيخ الزين العطا في أنقرة ..واليوم التالي للجيش السوداني  مبادرة من المرور لدعم معلمي كنترول الشهادة السودانية تكريم ووداع لأعضاء البعثة الدبلوماسية المصرية ببورتسودان ضبط تقاوي مهربة ومنتهية الصلاحية انشقاق جديد يهز صفوف المليشيا

من عِفّة الجرسون إلى فساد الخدمة المدنية: هل نستعيد السودان الذي كان؟

من عِفّة الجرسون إلى فساد الخدمة المدنية: هل نستعيد السودان الذي كان؟

كابتن طيار عادل المفتي .. يكتب

هناك أشياء لا تُقاس بالمال ولا تُشترى بالمنصب، اسمها الكرامة، والنزاهة، وعفة النفس، واحترام الإنسان. وهذه كانت يوماً من أجمل ما يميز الشخصية السودانية.

 

لكن السؤال المؤلم اليوم: أين ذهبت أخلاق الخدمة العامة التي كان السودانيون يفخرون بها؟ وكيف أصبح بعض الموظفين يطلبون المال مقابل أداء عمل يتقاضون عليه راتباً من الدولة؟ وكيف تحول ما كان عيباً ومهانة إلى ممارسة يتعامل معها البعض وكأنها أمر طبيعي؟

 

هذه ليست قضية «خمسة جنيهات»، بل قضية انهيار قيمة.

 

قصة لا أنساها

 

في بداية حياتي المهنية، وأثناء الديمقراطية الأخيرة، قدت طائرة خاصة من الرياض إلى الخرطوم، وكان على متنها الأمير أحمد بن عبدالعزيز، نائب وزير الداخلية السعودي، في ذلك الزمان في رحلة صيد إلى السودان.

في هذه الرحلة كان يرافقني زميلي الطيار السعودي الكابتن عبدالحكيم التميمي . الذي تقلد لاحقا وحتي وقت قريب رئيس الهيئة العامة للطيران المدني السعودي ، وبعد هبوطنا في مطار الخرطوم، ذهبنا إلى مطعم على سطح المطار لتناول الإفطار كان يستخدم ايضا من الجمهور في استقبال ووداع المسافرين من اعلي سطح المطار .

 

عندما عدت من غسل يدي، وجدت حديثاً حاداً بين الكابتن عبدالحكيم وأحد العاملين السودانيين في المطعم يلبس الجلابيه السودانية الأنيقة والعمامة البيضاء وحزام اخضر انيق يتوسط الخصر وكان يسمي حينها بالجرسون أو النادل . سألت عن السبب، فعرفت أن الكابتن ترك للعامل مبلغاً بسيطاً كـ«بخشيش».

 

لكن المفاجأة أن العامل اعتبر ذلك إهانة.

 

قال، بمعنى كلامه: أنا أعمل هنا وأتقاضى راتباً مقابل عملي، فلماذا تعطيني مالاً إضافياً؟

 

استغرب الكابتن كثيراً، وقال إنه لم يرَ مثل هذه العفة والكرامة في حياته او في اي مكان آخر في هذا العالم .

 

ومرت السنوات.

ثم عدت لاحقاً إلى مطار الخرطوم، وبدأت شركة خاصة في خدمات المناولة الأرضية. وفي إحدى وصول الرحلات، قاد سائق عربة توجيه الطائرات عربته إلى مكان بعيد عن الموقع المخصص للطائرة اضطررنا معه الي تحويل السلالم والمعدات الي المكان الجديد مما تسبب في تاخير نزول الركاب من الطائرة .

 

سألت عن السبب: لماذا غيّر مكان وقوفه؟ فجاءتني الإجابة الصادمة:

 

«نسينا أن نعطيه الخمسة جنيهات التي اعتاد عليها.»

هنا أدركت حجم التحول الذي حدث !!

 

لم تكن الخمسة جنيهات هي القضية، بل ما وراءها. فقد كنت أقف في المطار نفسه، وحينها رفعت نظري إلى أعلى السطح، متخيلا الجرسون السوداني أمامي ثم تحسرت علي الماضي وترنمت باغنية الفنان الكبير محمد وردي والرائع الحلنقي «لعلني أتنفس شهيق العفة واخرج زفير الحسرة» والجرسون السوداني صورته مازالت امامي مخاطبا له :

 

«أقابلك في زمن ماشي، وزمن جاي، وزمن لسه

أشوف الماضي فيك باكر، أريت باكر يكون هسه»

 

في تلك اللحظة أدركت أن ما كان يُعدّ في الماضي إهانةً للكرامة أصبح مع مرور الوقت حقًا مكتسبًا، وأن الموظف أصبح قادرًا على تعطيل العمل أو تغيير طريقة أدائه لمجرد أنه لم يحصل على المال الذي اعتاد عليه

 

عندما يتحول الفساد إلى عرف

 

الفساد لا يبدأ دائماً بمبلغ كبير. قد يبدأ بجنيه، ثم خمسة، ثم «حق الشاي»، ثم «حق المعاملة»، حتى يصبح الأمر عرفاً، ثم منظومة، ثم ثقافة اجتماعية.

 

ويبدأ الناس في السؤال: «لماذا لا تدفع وتخلص نفسك ؟» بدلاً من: «لماذا طلب منك الموظف المال أصلاً؟»

 

المشكلة ليست في الموظف وحده؛ بل في منظومة تشمل هشاشة المواطن نفسه ، وضعف الرقابة، والتغاضي، والواسطة، وضعف الأجور، وشعور الفاسد بأنه محمي من العقاب ورئيسه يسرق ولم تصله يد التحقيق والمحاسبه فمن الذي يستطيع محاسبته هو بهذا المبلغ الزهيد .

 

ولهذا، فإن إصلاح السودان بعد الحرب يجب ألا يقتصر على إعادة بناء المباني، بل يجب أن يشمل إعادة بناء الإنسان والمؤسسة والثقة.

 

نحتاج أولا إلي وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب وإلى رقمنة الخدمات، وكاميرات مراقبة في المواقع الحساسة، ونظام مستقل للشكاوى، وعقوبات حقيقية وسريعة، وحماية للموظف النزيه، وتحسين الأجور، وإعلان الرسوم والإجراءات بوضوح، وإلغاء ثقافة الواسطة، ومحاسبة المسؤول الذي يتستر على الفساد.

 

فالشرطة والمرور والخدمة المدنية ليست مؤسسات لتحصيل المال من المواطن، بل لخدمته وحمايته. الدولة القوية ليست التي يخاف منها المواطن، بل التي يعرف أن القانون فيها يحميه.

 

كيف نستعيد السودان الذي كان؟

 

أريد أن أعود إلى قصة ذلك الجرسون البسيط في مطعم سطح مطار الخرطوم. لم يكن يملك منصباً ولا ثروة، لكنه كان يملك شيئاً أعظم: كرامته.

 

لقد ظل موقفه عالقاً في ذاكرة الكابتن عبدالحكيم سنوات طويلة، حتى أصبح ذلك العامل البسيط سفيراً للسودان في ذاكرة رجل طاف بلداناً كثيرة وتقلد مناصب رفيعة .

 

هذا هو السودان الذي نريده.

السودان الذي لا يمد فيه الموظف يده للمواطن، ولا يحتاج فيه المواطن إلى رشوة أو واسطة للحصول على حقه.

 

لقد عانى المواطن السوداني الحرب والنزوح والفقر وفقدان الممتلكات والأمان، فلا يجوز أن يعود ليجد حرباً أخرى داخل المكاتب الحكومية، عنوانها الرشوة والإهانة واستغلال السلطة.

 

لن نستعيد وطننا بإعادة بناء الحجر وحده.

سنستعيده عندما نعيد بناء الإنسان.

 

وعندما يقف الموظف أمام المواطن باعتباره إنساناً له حق وكرامة، ويقف الشرطي باعتباره حارساً للقانون، ويدخل المواطن المصلحة الحكومية مرفوع الرأس، لأنه يعرف أن حقه محفوظ بالقانون.

 

حينها فقط نستطيع أن نقول:

بدأ السودان يتعافى فعلا من جديد ،

 

اللهم احفظ السودان وأهله، وأعد إليه أمنه وسلامه وكرامته، واجعل من هذه المحنة بداية لنهضة حقيقية، نستعيد فيها أخلاق أهلنا الجميلة، ويكون فيها القانون فوق السلطة، والإنسان فوق المنصب، والكرامة فوق المال.

 

وبالبلدي كده، وببساطة شديدة،

في زمان ناس قالوا دايرين يعيدوا صياغة الإنسان السوداني، فارتكبوا في حقنا خطيئة كبيرة. ونقول ليهم: كان تخلونا في محلّتنا اللقيتونا فيها ديك!

 

والأخطر من ذلك ، المليشيا الجات من خارج الحدود، ونعتونا بأننا : «دولة ٥٦». وبعد ما استولوا على البلد، شفنا بأم أعيننا دولة العطاوة ، دولة ال دقلو ، دولة ١٥ أبريل ٢٠٢٣ م التي نهبت وقتلت، وشفشفت ، واغتصبت ، وبهدلت وشردت شعب كامل.

 

ولكل من ساهم في الخراب ده بمقولة دولة ٥٦ ؛ نقول ليهم ومن القلب: الله لا كسبكم بركة، وحسبنا الله ونعم الوكيل

 

ونديكم انموذج بسيط من دولة ٥٦ المفتري عليها :

كان المربي الكبير عبدالرحمن علي طه وزيرا للحكومات المحليه في حكومة حزب الأمة عام ١٩٥٨ م عند سقوط الحكومة عاد الي قريته اربجي للاستقرار النهائي وصله خطاب من وزارة الأشغال يخطره بأنه لن يتحصل علي خطاب خلو طرف من المنزل الحكومي الذي كان يشغله لأن طبلة قراش المنزل مفقوده ، وعليه ارسل ابنه فيصل عبدالرحمن علي طه الي الخرطوم لشراء طبله بمبلغ ٢٥ قرشا وتسليمها لمهندس الأشغال ويعود بخلو الطرف ، وقد قام ابنه فيصل بالمهمة علي أكمل وجه .

 

شوفو ده بعض من دولة ٥٦ ..

لعنة الله عليكم يا مليشيا الجنجويد الي يوم الدين .

 

ونصيحة خالصة لي دولة ٢٠٢٦ م

 

فالدولة التي تريد أن تستعيد عافيتها، لا يكفي أن تعيد بناء مؤسساتها ومبانيها، بل عليها أن تعيد للوظيفة العامة معناها، وللأمانة مكانتها، وللقانون هيبته، وللمواطن كرامته

 

قال تعالي :

 

﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

صدق الله العظيم ،

١٩ اغسطس ٢٠٢٦ م 

كتابي حائط برلين الآخر

 الذي طبع في العام ٢٠١٩ م 

سيكون بين يديكم في المكتبات من يوم الغد الناشر مكتبة مدارك

قد يعجبك ايضا