آخر الأخبار
منشور مصري يثير غضب السودانيين قاسم بدري: لجنة الحوار تتمتع بإستقلالية تامة دون أي تدخل أو نفوذ حكومي إحباط عملية تهريب للأسلحة والمتفجرات بالبحر الأحمر الوصفة السحرية لإنقاذ الجنيه السوداني من الانهيار بيان صحفي حول مبادرة التهيئة للحوار السوداني–السوداني قبل لحظات من إنطلاق مؤتمرها .. صورة تظهر أعضاء اللجنة التحضيرية للحوار السوداني السوداني في أول ظهور... كشف عن إجراءات مرتقبة لردع أصحاب الشركات والحسابات الوهمية والوراقين .. رئيس الوزراء يعلن الحرب على ... قطب إتحادي يحذر من إشعال نيران الفتنة في الوسط المالي ويقول: راتب محافظ البنك المركزي أقل من مخصصات ... بالصور .. تجار عطبرة يدخلون في إضراب عام اليوم الأحد و يغلقون محالهم التجارية عقب أثارته الجدل بكشفه عن راتب و إمتيازات محافظ بنك السودان .. الطاهر ساتي يكتب عن فرقة حسب الله في ... المليشيا تصفي 5 أشخاص وتشرد أكثر من 3 آلاف خلال هجوم شنته على منطقتين غرب بارا غرفة طوارئ قيسان: قرابة الـ 20 ألف نازح يواجهون أوضاعاً إنسانية قاسية الأرصاد تكشف عن إستمرار الأجواء الحارة مع توقعات بأمطار غزيرة إلى متوسطة في عدد من الولايات الوجهة 24 تنشر عناوين الصحف البارزة لليوم الأحد تحركات داخل الكتلة الديمقراطية بشأن الحوار السوداني إعفاءات جديدة للعائدين من السعودية... تفاصيل قرارات «المالية» صاحب «التوسان» يكشف ملابسات فيديو فتاة شارع النيل سقوط شبكة سرقة «مواتير المياه» بشرق النيل موقف حاسم لأساتذة طب جامعة الخرطوم دفاعا عن آمنة ميرغني (١) 

الوصفة السحرية لإنقاذ الجنيه السوداني من الانهيار

الوصفة السحرية لإنقاذ الجنيه السوداني من الانهيار

 تجار العملة في مرمى غضب الحكومة.. والبنك المركزي أمام اختبار جديد.. ومذكرة الفاخر تعيد طرح تجربة ضخ الذهب بصورة ذكية ومحددة لكسر شوكة الدولار

عزمي عبد الرازق

أزمة الجنيه السوداني تراوح مكانها، تتعقد شيئاً فشيئاً، وهى اليوم تتجاوز كونها مجرد مشكلة سعر صرف يمكن علاجها بقرار إداري أو حملة أمنية على تجار العملة، فكلما اتسعت الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازي، بدا واضحاً أن السوق لا يتحرك فقط وفق حجم الدولارات المعروضة، وإنما وفق التوقعات والخوف والمضاربة والبحث عن ملاذ آمن.

وفي خضم هذه الأزمة، جاء توعّد رئيس الوزراء د. كامل بإجراءات مشددة ضد تجار العملة وأصحاب الشركات والحسابات الوهمية والوراقين، مؤكداً أن الحكومة ستضرب «بيد من حديد» كل من يمارس نشاطاً تخريبياً للاقتصاد، وتخوض حرباً بقوة القانون وفعالية الإجراءات.

لكن ثمة سؤال افتتاحي لهذا المادة: هل تستطيع الإجراءات الأمنية وحدها إيقاف الدولار؟ التجربة تقول إن مطاردة السوق الموازي دون معالجة مصادر الطلب عليه قد تدفعه إلى الاختفاء مؤقتاً، لكنها لا تلغي أسبابه.

خلال الأيام الماضية حاول البنك المركزي الاقتراب من آليات أكثر مرونة في إدارة سعر الصرف، عبر السماح للبنوك بتعديل أسعار العملات وفقاً لحركة العرض والطلب، الفكرة في أصلها اقتصادية، تقوم على تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الذي يفرضه السوق، وإعطاء الجهاز المصرفي قدرة أكبر على التعامل مع الواقع بدلاً من الدفاع عن سعر إداري لا يعكس بالضرورة ظروف السوق، مع الأخذ في الاعتبار أن السماح للبنوك التجارية بشراء حصائل الصادر بالسعر الحقيقي، سعر السوق، كانت خطوة مهمة، ومطلوبة، وسوف تؤتي ثمارها إن صح منهم العزم.

لكن تحرير سعر الصرف، وحده، لم يكن كافياً، فإذا ظل الطلب على الدولار أكبر من المعروض، وإذا استمرت تحويلات السودانيين في الخارج في المرور عبر قنوات غير رسمية، وإذا خرج الذهب بعيداً عن الجهاز الرسمي، فإن تحرير السعر يصبح في النهاية مرآة للأزمة أكثر منه علاجاً لها، بالضبط، هذا ما يحدث حالياً، وهنا تظهر فكرة مختلفة، بدلاً من مطاردة الدولار في السوق، لماذا لا تبحث الدولة عن وسيلة سريعة لزيادة المعروض من النقد الأجنبي؟

الإجابة التي تقترحها مذكرة الخبير الاقتصادي محمود الفاخر هي: الذهب. ولا شك أن للرجل تجربة عملية بنى عليها رؤيته، وخلص منها إلى خطة تبدو واقعية.

المذكرة، التي أُعدت في صورة مقترح سياسات، تنطلق من فكرة بسيطة لكنها شديدة الأهمية: السودان يمتلك مورداً يمكن تحويله بسرعة إلى نقد أجنبي، بينما السوق يعاني في الوقت نفسه من شح الدولار.. وهذا المورد هو الذهب.

المذكرة لا تقترح التعامل مع الذهب باعتباره حلاً دائماً للأزمة، وإنما تسميه عملياً «صمام ضغط»؛ أي أداة تدخل سريعة لتهدئة السوق إلى أن تستعيد الصادرات الأخرى، والإنتاج، والاستقرار المالي والنقدي قدرتها على توفير النقد الأجنبي، وهنا تكمن نقطة القوة في المقترح، فالذهب ليس بديلاً عن الاقتصاد، وإنما يمكن أن يكون جسراً يعبر به الاقتصاد مرحلة الاختناق النقدي.

ارتبط اسم شركة الفاخر في مرحلة سابقة بآلية استهدفت شراء الذهب وتوفير السلع الاستراتيجية، في محاولة لإبعاد الدولة عن شراء الدولار مباشرة من السوق الموازي، واستبدال ذلك بتصدير الذهب والحصول على حصائل نقد أجنبي تستخدم في تمويل الواردات الأساسية.

وكانت الآلية الحكومية المعروفة باسم «الآلية الاقتصادية» أو «آلية شراء الذهب وتوفير السلع الاستراتيجية» قد جمعت عدداً من المؤسسات ذات الصلة في مسار واحد، من وزارة المالية والبنك المركزي والجمارك والأجهزة الأمنية إلى الجهات المختصة بالمواصفات والمقاييس ومصفاة الذهب والبنوك التجارية، بهدف اختصار الإجراءات وتسهيل عملية الصادر.

وهنا تأتي إعادة تسويق الفكرة في مذكرة الفاخر، ولكن بتعديل جوهري: بدلاً من أن تكون شركة واحدة هي محور تصدير الذهب، تصبح الشركات المصدرة المؤهلة جزءاً من منظومة التدخل، أو البنك المركزي نفسه، أي أن الدولة لا تحتاج بالضرورة إلى إعادة إنتاج تجربة شركة بعينها، وإنما إلى إعادة إنتاج الآلية نفسها: تجميع الذهب الرسمي، تصديره عبر قنوات منظمة، تحويل الحصائل إلى نقد أجنبي، ثم استخدام جزء منه لتهدئة سوق الصرف وتمويل الاحتياجات الأساسية.

كيف تعمل «الوصفة»؟

تقترح المذكرة ثلاثة مسارات تعمل في وقت واحد، الأول: التدخل المباشر، وتعني بيع كميات محسوبة من الذهب أو استخدام أدوات مرتبطة بالذهب لتوفير سيولة أجنبية تستطيع التأثير في السعر الموازي، لكن دون الإعلان المسبق عن توقيت وحجم كل عملية، إذ أن الهدف، وفق التصور، ليس الدخول في معركة يومية مع المضاربين، وإنما كسر التوقعات التي تدفعهم إلى رفع السعر.

الثاني، تحويل المدخرات من الدولار إلى الذهب، حيث تقترح المذكرة إطلاق شهادات ادخار أو حسابات مقومة بالذهب، بحيث يجد المواطن الذي يبحث عن وسيلة لحماية مدخراته بديلاً محلياً عن شراء الدولار، وهذه النقطة شديدة الأهمية، لأن جزءاً من الطلب على العملة الأجنبية ليس طلباً لاستيراد سلعة، وإنما طلب تحوطي وادخاري، فإذا أمكن نقل جزء من هذا الطلب من الدولار إلى أداة ذهبية، فإن الضغط على السوق الموازي ينخفض من جانب الطلب، وليس فقط عبر زيادة المعروض.

الثالث: تجفيف منابع تهريب الذهب، أي كل أونصة تخرج عبر التهريب تعني أن البلاد فقدت فرصة للحصول على حصيلة نقد أجنبي، وفي الوقت ذاته قد تتحول قيمة هذه الأونصة إلى وقود إضافي للسوق الموازي. لذلك فإن مكافحة تهريب الذهب، في التصور المقترح، جزء من سياسة سعر الصرف نفسها.

غرفة عمليات.. لا لجنة جديدة

ربما يكون أهم ما في المذكرة ليس الذهب نفسه، وإنما طريقة إدارة التدخل، فالمقترح يدعو إلى إنشاء «غرفة عمليات الاستقرار النقدي»، برئاسة البنك المركزي وعضوية وزارة المالية والجهات المختصة بتصدير الذهب والجمارك ومكافحة التهريب وممثل عن الاستخبارات ووحدة متخصصة لتحويلات المغتربين.

الفكرة هنا واضحة، والسوق يتحرك بالساعات، بينما الجهاز الحكومي يتحرك أحياناً بالأسابيع، وعندما يحتاج التدخل إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، تكون الفرصة قد انتهت.

لذلك تقترح المذكرة تفويض الغرفة مسبقاً لاتخاذ قرار الضخ أو السحب خلال ساعات، ضمن حدود متفق عليها سلفاً، وفي الوقت ذاته، تُنشأ غرفة رصد يومية تتابع الفارق بين السعر الرسمي والموازي وتراقب مؤشرات الطلب والعرض، بحيث يصبح التدخل استباقياً وليس رد فعل متأخراً.

السرية هنا جزء من السياسة، إذ تقترح المذكرة مفارقة ذكية، أعلن عن الآلية، ولا تعلن عن تفاصيل تدخلاتها. كما أن وجود آلية رسمية معلنة يمكن أن يرفع ثقة السوق، لكن الكشف مسبقاً عن موعد بيع الذهب أو حجم الدولار الذي سيُضخ قد يعطي المضاربين فرصة للاستعداد والتربح من التدخل.

وبالتالي، فإن التوقيت والكمية يجب أن يبقيا غير متوقعين، وهذه ليست محاولة لإخفاء السياسة النقدية، بقدر ما أنها لحماية أداة التدخل من أن تتحول إلى فرصة مضاربة.

أموال المغتربين .. المعركة المنسية

المذكرة لا تكتف بالذهب وحده، وإنما تضع تحويلات السودانيين بالخارج في قلب المعادلة، فبدلاً من ترك هذه الأموال تمر عبر شبكات غير رسمية، تقترح إنشاء قنوات مصرفية قادرة على تقديم سعر صرف قريب من السوق الموازي، مع رسوم منخفضة وسرعة في التحويل والصرف.

بمعنى آخر، لا تطلب من المواطن أن يستخدم النظام الرسمي لأنه رسمي؛ اجعله يستخدمه لأنه أفضل.. وتقترح المذكرة شراكات مع شركات تحويل الأموال ومزودي المحافظ الرقمية، إلى جانب حوافز مؤقتة تشجع المغتربين وأسرهم على استخدام القنوات الرسمية.

وهنا يصبح الهدف مزدوجاً، الذهب يزيد المعروض من النقد الأجنبي، وتحويلات المغتربين التي تدخل عبر النظام المصرفي تزيد الموارد الرسمية، وهذا يعنب أن الأول يعالج جانب العرض، والثاني يعالج أحد مصادر تغذية السوق الموازي.

لماذا يتحدث الفاخر الآن؟

أهمية المقترح تأتي من ارتباط صاحبه بتجربة سابقة في هذا الملف، فقد سبق أن ارتبط اسم محمود الفاخر وتجربة الشركة بآلية شراء الذهب وتصديره وتوفير حصائل النقد الأجنبي، في وقت كان فيه السودان يبحث عن طريقة للخروج من الاختناق الذي ضرب سوق العملة آنذاك، وهنا، أي محمود الفاخر فهو يتجاوز عرض المشكلة إلى طرح الحلول، يوقد شمعة عوض أن يلعن الظلام، يساهم بصورة ايجابية ووطنية.

من المهم الإشارة إلى أن المذكرة تستند إلى دروس تلك التجربة، خصوصاً في مسألة سرعة التدخل، وتجميع الجهات ذات الصلة في مسار واحد، وتوجيه حصائل الذهب نحو تمويل الاحتياجات ذات الأولوية.

لكن المذكرة نفسها تحذر من أخطر نقطة في استخدام الذهب، أن يتحول العلاج المؤقت إلى إدمان، سيما وأن الذهب مورد ناضب، ولا يمكن بناء استقرار دائم للجنيه على استنزاف الاحتياطي أو الإنتاج المعدني.

2018 حين تراجع الدولار بقوة

تستحضر المذكرة تجربة أواخر عام 2018، عندما ساهم ضخ الذهب في تراجع كبير في سعر الدولار بالسوق الموازي، من مستويات قاربت 105 جنيهات إلى نحو 55 جنيهاً، وهو مستوى كان قريباً من السعر الرسمي آنذاك. وبغض النظر عن اختلاف الظروف الاقتصادية والمؤسسية بين ذلك الوقت واليوم، فإن التجربة تقدم درساً مهماً، التدخل السريع والمركز في سوق يعاني من صدمة توقعات، يمكن أن يحقق أثراً أكبر من تدخلات متقطعة وبطيئة.

لكن هناك درساً آخر لا يقل أهمية، وهو ما حدث في 2021، عندما أعيد طرح الآلية في 2021، اصطدمت بواقع مختلف، إذ أصبحت حصائل النقد الأجنبي مطلوبة أيضاً لتغطية القمح والوقود والدواء والاحتياجات الاستراتيجية.

وهنا ظهرت المشكلة الحقيقية، هل تستخدم حصيلة الذهب لتثبيت سعر الصرف، أم تستخدم لشراء السلع الأساسية؟ المذكرة تعتبر أن عدم وجود قاعدة واضحة مسبقاً لتوزيع الحصيلة كان أحد أسباب ضعف أثر التدخل، ولهذا تأتي الوصفة الجديدة بقاعدة أكثر تحديداً، 60% للخبز والوقود والدواء.. و40% للسوق.

وفق النموذج الافتراضي الذي تقترحه المذكرة، وإذا بلغ الإنتاج اليومي نحو 150 كيلوغراماً من الذهب، ومع سعر افتراضي يقارب 4,500 دولار للأونصة، فإن القيمة السوقية اليومية قد تصل إلى نحو 21–22 مليون دولار.

وتقترح المذكرة تقسيم هذه الحصيلة تقريباً إلى 55–60% لتمويل الواردات الاستراتيجية، وفي مقدمتها القمح والوقود والدواء، و40–45% لتكون حصة مرنة تستخدمها غرفة عمليات الاستقرار النقدي للتدخل في السوق الموازي وفق درجة الفجوة السعرية.

الفكرة الأساسية هنا ليست النسب نفسها، فهي قابلة للمراجعة مع تغير الأسعار والإنتاج، وإنما وجود قاعدة مسبقة تمنع التنافس على الدولار في لحظة الأزمة، فلا يأتي كل طرف إلى حصيلة الذهب في كل أزمة ليقول: «أنا أولى»، مع الأخذ في الاعتبار أيضاً ظروف الحرب والعقوبات.

القاعدة معروفة منذ البداية. هل هذه فعلاً «الوصفة السحرية»؟ هنا يجب التوقف، لأن الذهب يستطيع أن يشتري وقتاً. لكنه لا يستطيع أن يشتري اقتصاداً مستقراً إلى الأبد، وإذا استمر العجز المالي، وتضخم المعروض النقدي، وضعفت الصادرات، واستمرت عمليات التهريب، ولم تستعد الثقة في الجهاز المصرفي، فإن أي تدخل بالذهب سيظل أشبه بمسكن قوي المفعول لكنه مؤقت.

ولهذا فإن قوة مذكرة الفاخر في اقتراحها استخدام الذهب كأداة انتقالية إلى أن تُعالج الأسباب الأعمق للأزمة.

والمعادلة ببساطة: ذهب رسمي + شركات تصدير منظمة + حصائل نقد أجنبي + تحويلات مغتربين داخل الجهاز المصرفي + تدخل سريع وسري التوقيت + انضباط مالي = فرصة لالتقاط أنفاس الجنيه.

أما استمرار ضخ الذهب دون إصلاحات موازية، فيعني ببساطة استهلاك المورد الذي يفترض أن ينقذ الاقتصاد، وربما تكون هذه هي الفكرة الأهم التي يمكن أن تخرج بها الحكومة من المقترح، بدلاً من أن تكون المعركة كلها مع تاجر العملة، يجب أن تنتقل المعركة إلى أسباب وجود السوق الموازي نفسه، وبدلاً من سؤال: «كيف نمنع الناس من شراء الدولار؟»، يصبح السؤال: كيف نوفر الدولار بسعر وقناة تجعل المواطن والمستورد والمغترب أقل حاجة إلى السوق الموازي. وبدلاً من مطالبة الشركات بالتوقف عن التعامل في السوق الموازي، يمكن تحويل الشركات المصدرة نفسها إلى جزء من الحل، عبر منظومة واضحة وشفافة لتصدير الذهب والسلع الأخرى وإعادة حصائل الصادر إلى الجهاز المصرفي.

قد يعجبك ايضا