آخر الأخبار
ملف انقطاع الكهرباء وتداعيات استهداف المحطات على طاولة الحكومة مطالبات بتحقيق دولي في استهداف محطات الكهرباء ومصادر تمويل المسيّرات عقوبات مشددة لمخالفات الوقود في كسلا تفاصيل اعتقال موظفين بمنظمة سويسرية في نيالا بنكك يوجه رسالة مهمة لعملائه بشأن رمز الأمان TPIN من عصر الشحدة باليد كود إلى عصر الشحدة بالباركود .. رحلة عبر الأزمنة إلى الصين! وزارة الصناعة تحسم الجدل وتوضح بشأن تحديد سعر جوال الدقيق وزير الطاقة يبحث المعالجات العاجلة لأضرار استهداف محطة المرخيات وانقطاع الكهرباء حملة إنذارات كبرى للتعديات العشوائية بجبل أولياء  ما يغيب عن حسابات العدو بيان عاجل من شركة الكهرباء بالصور .. مشاهد الدمار بمحطة المرخيات التحويلية ووالي الخرطوم يقف على الأوضاع إستكمال الترتيبات البديلة لتغذية الكهرباء بالخرطوم و ترقب عودة التيار مجلس شؤون الأحزاب ينظم ورشة عمل لإصلاح قانون الأحزاب السياسية إجراءات لضبط توزيع المواد البترولية بالخرطوم الحكومة توضح بشأن الوضع الغذائي في البلاد و ترفض تسييس المساعدات الإنسانية وفد رفيع من إيساف يصل الخرطوم البرهان يقود وفد السودان للمشاركة في القمة الروسية الأفريقية قائمة بأسماء 44 سلعة شملها قرار إلغاء حظر الاستيراد والإعفاء الجمركي المليشيا تستهدف محطة المرخيات وتتسبب في إظلام بأمدرمان والجزيرة 

من عصر الشحدة باليد كود إلى عصر الشحدة بالباركود .. رحلة عبر الأزمنة إلى الصين!

رحلة عبر الأزمنة إلى الصين!

من عصر الشحدة باليد كود إلى عصر الشحدة بالباركود…

كابتن عادل المفتي .. يكتب

تتردد على ألسنتنا منذ قرون عبارة: «اطلبوا العلم ولو في الصين». ورغم أن هذه العبارة لا تثبت حديثاً صحيحاً عن النبي ﷺ، فإن معناها اليوم يبدو وكأنه يفتح أمامنا نافذة واسعة على درس من دروس التاريخ. وأنا أقف في مدينة قوانقزو الصينية، وأتجول في أروقة معرض كانتون، أحد أكبر المعارض التجارية الدولية في العالم، شعرت أنني أمام مشهد يستحق التأمل والمشاركة: الصين التي كانت بعيدة في جغرافيا العالم، أصبحت حاضرة بقوة في صناعة مستقبله، ومن أبرز قوى الإنتاج والتكنولوجيا والتجارة العالمية.

لم تكن دهشتي مما رأته عيناي من منتجات وتقنيات فحسب، بل من السؤال الذي فجّره هذا المشهد في داخلي: كيف استطاعت أمة أن تختصر المسافة إلى المستقبل، بينما لا يزال وطني العزيز ينزف تحت وطأة الحرب والدمار؟

لقد سافرت نحو أربع عشرة ساعة بالطائرة، لكنني شعرت أنني عبرت بين زمنين مختلفين؛ غادرت واقعاً سودانياً مثقلاً بالحرب والدمار، ومحاولة النهوض رغم التعثر ، ووصلت إلى عالم يوظف العلم والعمل والتنظيم والإنتاج لبناء القوة الاقتصادية. لم تكن المسافة الحقيقية هي تلك التي قطعتها الطائرة، بل المسافة الحضارية التي تفصل بين بلد يناضل للخروج من أزماته، وبلد استطاع أن يحوّل المعرفة إلى صناعة، والصناعة إلى نفوذ اقتصادي عالمي.

في معرض كانتون، لا ترى بضائع معروضة فحسب، بل ترى قصة أمة قررت أن تكون جزءاً من المستقبل بل هي المستقبل، بعد إرادة الله، وأن تنافس على صناعته لا أن تكتفي باستهلاكه. ترى كيف يمكن للقيادة وللإرادة وللتخطيط، والاستثمار، وتطوير المهارات، والانفتاح على الأسواق، أن تنقل بلداً إلى موقع مختلف في خريطة العالم.

وفي وسط هذه الدهشة، كان للاستقبال السوداني الأصيل البشوش طعمه الخاص؛ فقد وجدت من بعض أبناء الجالية السودانية في الصين كرم الضيافة وصدق الترحيب، كما تلقيت ترحيب وإستقبال ومساندة ودعوات كريمة من القنصل السوداني السفير الدكتور عثمان عربي في قوانقزو ، ولمست اهتماماً ومتابعة من السفير السوداني عمر عيسي عن بُعد. ووجدت جالية سودانية سبقت الزمن وانتخبت لرئاستها شابا مجتهدا، فشكراً لكل من جعل الغربة أكثر دفئاً، وأكد أن السودانيين، أينما كانوا، يحملون قيمهم ووطنهم في قلوبهم.

لكنني أدركت أن مهمتي الحقيقية لم تعد مجرد اكتشاف ما تصنعه الصين، بل فهم كيف وصلت إلى هذا المستوى، وكيف يستطيع السودان أن يتعلم من التجربة، ويختصر عقوداً من التأخر، ويبدأ رحلة مختلفة نحو النهضة.

فليس المطلوب أن نستورد من الصين كل شيء، بل أن نتعلم كيف نصبح قادرين على صناعة أشيائنا بأنفسنا. نحتاج إلى السلام، وإرادة وطنية تجمع ولا تفرّق، وتعليم يواكب العصر، واستثمار منتج، وشراكات تنقل التكنولوجيا والمعرفة، ومصانع تحوّل موارد السودان الزراعية والمعدنية إلى قيمة مضافة وفرص عمل وصادرات.

إن السودان لا تنقصه الموارد ولا العقول، لكنه يحتاج إلى مشروع وطني يضع الإنتاج فوق الصراع، والعلم فوق الشعارات، والمستقبل فوق المصالح الضيقة. وحين نبدأ من هنا، يمكننا أن نختصر المسافة، لا بتغيير ساعات الطيران، بل بتغيير واقعنا.

أحلم بيوم تصبح فيه الرحلة بين السودان والصين إلى دقائق محسوبة، لا لأن الطائرة أسرع، بل لأن السودان نفسه يكون قد عبر المسافة الحضارية، وامتلك أدوات التقدم، وأصبح شريكاً في صناعة المستقبل، لا مجرد متفرج عليه.

أرتب في حقائبي لمغادرة قوانقزو وأنا أستعد للعودة إلى السودان، لكنني أحمل سؤالاً سيظل يرافقني: إذا استطاعت الصين أن تصل إلى ما وصلت إليه، فما الذي يمنع السودان من أن يبدأ طريقه؟

لقد جئت لأرى ما يصنعه الصينيون، وأعود مؤمناً بأن المعركة الحقيقية تبدأ حين نقرر نحن أن نصنع المستقبل بأيدينا .

يا جماعة بالبلدي كده شوفو القصة دي والمفارقة دي : 

 من عصر الشحدة باليد كود إلى عصر الشحدة بالباركود…

كل يوم بنسمع التحول الرقمي .. التحول الرقمي فاعتقد بانه مفتاح لنا للتطور باذن الله ولكن .. وانا في الطريق الي الفندق بعد العشاء وجدت شحاذا يجلس علي قارعة الطريق بدلا ان يضع علبة أمامه لوضع النقود، وجدت بطاقة بها باركودا رقمي أمامه علي الأرض ، توقفت ثم التقطت صورة .. تعجبت واندهشت وقارنت .. لم يعد الشحّاذ يمدّ يده طالباً الصدقة فحسب، بل يرفع هاتفه أو يحمل باركوداً لتصل إليه التبرعات بضغطة زر! هنا تتجلّى المفارقة المدهشة: حين تتقدّم التكنولوجيا، لا تكتفي بتغيير حياة الأغنياء، بل تصل حتى إلى أرصفة الفقراء! من قلب الصين، يبدو أن التحوّل الرقمي لم يترك شيئاً خارج حساباته!

ده الشحاذ وصل التحول الرقمي منذ اكثر من عشرين عاما طيب دولتنا مفروض تعمل شنو وتكون وين ؟ مع تمنياتي لوزير اتصالاتنا الشاب المجتهد التوفيق والنجاح.

الصين لم تصنع تقدمها بالكلام، وإنما بالعلم والعمل والابتكار والاستثمار في الإنسان.

والرسالة الأعمق: المستقبل لا ينتظر المترددين، والحضارات لا تُبنى بالأمنيات، بل بالعلم والعمل والإرادة.

في لقاء جانبي، وبينما كنت أعيش دهشة ما رأيته في الصين، سألت أحد المتعلمين الصينيين: وقلت له يا صديقي الصيني ما السر وراء هذا الإبداع، وهذا التصنيع، وهذا التطور الذي جعل الصين تنافس العالم وتتقدم في ميادين عديدة؟ تأمل قليلاً ثم قال: «المعاناة… لقد عانى شعبنا كثيراً، ومن رحم تلك المعاناة وُلد الإبداع».

صمتُّ لحظة، وانتقلت أفكاري من الصين إلى السودان؛ إلى شعبٍ أنهكته الحروب، وأثقلته الأزمات، وذاق من المعاناة ما يكفي لصناعة ألف نهضة، لو تحولت آلامه إلى علم، وصبره إلى عمل، وطاقات شبابه إلى إنتاج وابتكار.

وهنا يفرض السؤال نفسه: هل ستتحول معاناة السودانيين إلى ميلاد وطن جديد، ينهض بالعلم والعمل والتكنولوجيا، أم ستضيع كل هذه الآلام هباءً منثوراً؟

إن المعاناة وحدها لا تصنع نهضة؛ فالنهضة تحتاج إلى عقل يخطط، وإرادة تعمل، وقيادة تحوّل المحن إلى فرص. فهل نتعلم من رحلة الصين أن المستقبل لا يُمنح للشعوب، بل تصنعه الشعوب بأيديها؟

وحتي تلك اللحظة دعونا نحلم مع الفنان المبدع محمد وردي وعمر الطيب الدوش لنعيش الرحلة عبر الزمن :

أقابلك في زمن ماشي

وزمن جاي وزمن لسه

أشوف الماضي فيك باكر

أريت باكر يكون هسه

والسؤال ؟ هل نحن الذين نعيش الزمن ؟ أم أن الزمن هو الذي يمضي بنا ؟ بينما نظل ننتظر لقاءً أو حلمًا أو لحظةً نتمنى لو انها تأتي الآن .

فإن أعظم ما في هذه الكلمات هو أنها تختصر حياة الإنسان كلها في كلمات قليلة: ماضٍ نحمله في قلوبنا، وحاضر نعيشه، ومستقبل ننتظره، وأحلام لم يحن موعدها بعد.

ومن الصين سلام ، 

اللهم هل بلغت اللهم فاشهد .. 

قال تعالي : ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾

قال تعالى:

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾

صدق الله العظيم 

٢٧ اكتوبر ٢٠٢٦ م

قد يعجبك ايضا