آخر الأخبار
الوجهة 24 تنشر عناوين الصحف البارزة لليوم الخميس السعودية ترفض أي مساعٍ لتشكيل حكومة موازية في السودان السنغال تقصي مصر الصحة تعلن موعد عودة مستشفى أحمد قاسم للخدمة رسميًا زيارة ميدانية لوادي سيدنا مصر تحذر سرقة ضخمة تهز سوق الذهب بالخرطوم حادثة صادمة عند الحدود السودانية – التشادية ببالغ الحزن والأسى… وفاة صلاح علي المفتي بالقاهرة صدمة عالمية قبل مونديال 2026 تفاصيل زيارة عاجلة لرئيس الوزراء… ماذا يدور داخل قطاع التعليم الفني بالسودان ترحيب بعودة الحكومة للعاصمة والتربية تعلن استيعاب الطلاب القادمين من دارفور وكردفان  الأمم المتحدة تكشف عن نزوح (170) ألف شخص من الفاشر و كردفان بسبب الأمن بيتي تحت خدمة الجيش .. سهير عبد الرحيم تكتب لجنة أمن ولاية سنار توضح بشأن مسيرات سنجة .. بيان المفوض السامي لحقوق الإنسان يصل البلاد رشان أوشي توضح بشأن شائعات تعرضها للضرب من قِبل البرهان جهاز حماية الأراضي ينفذ حملة إزالة واسعة للتعديات بمايو مصر ترأس الاجتماع الخامس لآلية تعزيز تنسيق جهود السلام في السودان صحة الخرطوم تعلن إزالة 99% من مخلفات الحرب والجثامين  

مطار بورتسودان .. هدر بلا حدود

مطار بورتسودان .. هدر بلا حدود 

رشان اوشي

إذا كانت الدولة جادة حقاً في ترسيخ الشفافية ومحاربة الفساد، فإن ملف تأهيل “مطار بورتسودان الدولي” يقف في مقدمة الملفات التي تستوجب تحقيقاً عاجلاً، ليس لأنه مرفق خدمي حيوي واستراتيجي فحسب، بل لأنه مرآة فاضحة، تكشف عن كيف تُهدر الموارد العامة اثناء المعركة الوطنية.

 

في سبتمبر الماضي، وللمرة الأولى منذ اندلاع حرب 15/ أبريل، غادرت السودان متجهة إلى القاهرة للاطمئنان على صحة والدي بعد خضوعه لعدة عمليات جراحية. نصحني الزملاء بالسفر عبر صالة ال(VIP) التجارية، هرباً من الازدحام وتيسيراً للإجراءات. رفضت. لم يكن ذلك مثالية مني، بل رغبة واعية في أن أرى المطار كما يراه المواطن العادي، بلا وسائط ولا امتيازات.

 

ما رأيته كان صادماً حد القسوة. فوضى مكتملة الأركان أمام الصالة الخارجية، فناء متسخ، ومسافرون يفترشون الأرض كما لو أنهم في “سوق شعبي”. الداخل لم يكن أفضل حالاً: صالات ضيقة، تكدس بشري خانق، درجات حرارة مرتفعة، وتكييف مركزي متعطل يحوّل المكان إلى حجرة اختناق جماعي. دورات المياه طافحة، ومشاهد لا تمت بصلة إلى كرامة الإنسان، ولا إلى صورة السودان التي نعرفها أو نريدها.

 

عند عودتي، لم أتعامل مع المشهد باعتباره تجربة شخصية قاسية، بل بوصفه مؤشر يستدعي البحث الصحفي. أجريت تحقيق استقصائي، وتوصلت إلى معلومات موثقة تكشف واحدة من أبشع جرائم الفساد منذ اندلاع الحرب. ملايين الدولارات صُرفت تحت بند صيانة وتأهيل مطار بورتسودان. شركات مؤهلة، ذات خبرة ومعايير فنية معروفة، جرى تجاوزها، ليُفتح الباب أمام شركات تفتقر للكفاءة ولا تستوفي أبسط الشروط المهنية. وكانت النتيجة متوقعة: هدر للموارد، ومنشأة لا تؤدي الغرض الذي أُنفقت من أجله أموال دافع الضريبة.

 

الأمر لا يتعلق بسوء التنفيذ فقط، بل بمنظومة خلل مؤسسي. فعندما تغيب الرقابة، تُنفذ المشروعات الحكومية بعقلية الغنيمة لا بعقل التخطيط. في علم الإدارة العامة، يُعرف هذا النموذج بالفساد البنيوي، عندما تصبح التجاوزات جزء من آلية العمل نفسها، لا استثناء.

 

المثير للقلق، خبر رسمي صدر مؤخراً عن مجلس السيادة، يتحدث عن خطة جديدة لصيانة وتأهيل مطار بورتسودان، مع الإشارة إلى أن أعمال الصيانة السابقة تمت بعد اندلاع الحرب. معنى ذلك، ببساطة، أننا أمام بند جديد لصرف ملايين الدولارات مرة أخرى، دون محاسبة حقيقية عمّا صُرف سابقاً، ودون تقييم علمي ومؤسسي للنتائج. إنها، للأسف، فرصة ذهبية أخرى لتبديد المال العام.

 

إن أخطر ما في هذا الملف ليس ما ضاع من أموال، بل ما يتبدد من معنى الدولة ذاتها. فعندما تغيب المحاسبة، يتحول الإنفاق إلى طقس عبثي، وتغدو المشروعات العامة أدوات لإعادة تدوير الفساد لا لخدمة الناس. مطار بورتسودان، في هذه اللحظة، اختبار لقدرة الدولة على مراجعة نفسها، فإما أن يُفتح الملف أمام الحقيقة، أو يُغلق كما أُغلقت صالاته على الاختناق. وبين الخيارين، يتحدد إن كان ما نعيشه اوضاع عارضة فرضتها الحرب… أم نمط مستقر في إدارة ما تبقى من الوطن.

محبتي واحترامي

قد يعجبك ايضا