آخر الأخبار
حقيقة ما جرى في حفل "شلاقة " بأم درمان.. صاحب الفعالية يروي التفاصيل مطالبات بتقليص ساعات الدراسة في وادي حلفا بدعم من الجمارك.. بدء عودة أسر سودانية ومواطنين من القاهرة إلى الوطن كواليس اللقاء الذي جمع يوم أمس الفريق أول عبدالفتاح البرهان مع ( فرقاء) الكتلة الديمقراطية إحباط تهريب شحنة ضخمة من «البنقو» بأم درمان كمين محكم يقود إلى ضبط ثلاثة من أفراد عصابة "الترحال" ثمانية مبادئ من جعفر الميرغني لبناء مرحلة ما بعد الحرب رحيل ناهد رشدي بطلة "لن أعيش في جلباب أبي" الوجهة 24 تنشر عناوين الصحف البارزة لليوم الثلاثاء إلغاء حفل الفنانة إيلاف عبد العزيز بشارع الوادي احتراق سوق النايم بدارفور النيران تلتهم مساحات من أشجار النخيل في نهر النيل وزير التعليم العالي يعلن تعيين 3 آلاف مساعد تدريس بالجامعات السودانية بقيادة سودانية... نجاح أول عملية مراجعة مفصل بتقنيات جراحية متقدمة في السودان تفكيك "عصابة الركشة" المرور تكشف تفاصيل خطتها لتعزيز السلامة المرورية والتحول الرقمي مالك عقار يتفقد قسم الطوارئ والإصابات بمستشفى بورتسودان التعليمي تعزيزات للجيش إلى جنوب الرهد 10 أطنان من المساعدات السعودية تصل الخرطوم مجلس المعادلة يعلن موعد الامتحان

أيها الشعب .. احذرو كرازايات السودان

كابتن طيار عادل المفتي .. يكتب …..

 

في أوطانٍ كثيرة، لا يحفظ التاريخ المناصب، ولا تخلد صفحاته أسماء من جلسوا على مقاعد السلطة، بل يخلد مواقف من بقوا أوفياء لشعوبهم وأوطانهم، ويكشف من تخلى عن انتمائه عند أول اختبار.

 

والتاريخ لا ينسى أن هناك رجالًا كانوا يومًا في قلب دوائر النفوذ، يتوارون خلف أوراقٍ صفراء ظنوا أنها ستحميهم إلى الأبد. لكن ما إن سقطت تلك الأوراق التي كانت تستر حقيقتهم، حتى انكشفت الوقائع، ولم يجدوا سوى الفرار إلى حيث بريق المال ووهم الأمان.

 

هناك اختاروا الغريب على الأهل، والمصلحة على الوفاء، وفضّلوا المكاسب العابرة على الانتماء الذي نشؤوا في كنفه. غير أن التاريخ لا يقيس الرجال بما امتلكوه من نفوذ، أو مال ، بل بما تركوه من أثر، ولا يخلّد أصحاب الكراسي، بل يخلّد أصحاب المبادئ .

 

فليست كل الهزائم العسكرية تبدأ في ساحة المعركة، وبعض الهزائم الوطنية تبدأ في عقول سياسيين ومنتفعين فقدوا الثقة في شعوبهم، حتى أصبحوا يؤمنون أن الطريق إلى القصر الجمهوري لا يمر عبر الجماهير، وإنما عبر سفارات الخارج والأجنبي .

 

في أفغانستان، دخل حامد كرزاي إلى الحكم على ظهر الدبابات الأمريكية، فأصبح اسمه رمزًا لنمط سياسي يرى أن الشرعية تُستورد من الخارج. ومنذ ذلك الوقت، أصبح اسم “كرزاي” أكثر من شخص؛ أصبح مدرسة سياسية كاملة. واليوم، يبدو أن السودان أنجب تلاميذ كثر في هذه المدرسة… كرازايات السودان.

 

هؤلاء لا يخاطبون الشعب ووده ، بل يخاطبون العواصم ورضاء الغريب ، لا يبحثون عن صندوق الاقتراع، بل عن غرفة المفاوضات الأجنبية. ولا يقيسون شعبيتهم في الأسواق والقرى والجامعات، وإنما بعدد اللقاءات في الفنادق الفاخرة، وعدد الصور مع حكام الدول والسفراء، وعدد البيانات الصادرة من العواصم البعيدة.

 

لقد تحول بعض الساسة ولا أعمم ، إلى سماسرة نفوذ، يعرضون السودان في المزاد العلني السياسي. فمن يمنحهم الدعم السياسي؟ ومن يوفر لهم المال؟ ومن يضغط من أجل إعادتهم إلى السلطة؟ .. أما الثمن، فلا يدفعونه من جيوبهم، وهم لا يجيدون صنعه ، وبدون وظيفة ، بل يدفعه السودان من سيادته ووحدته وثرواته.

 

والسياسة تعلمنا حقيقة لا تقبل الجدل: لا توجد دولة تمنح شيئًا بلا مقابل.

 

بعض الدول لا تتحرك بدافع المحبة، ولا بدافع الأخلاق المجردة، وإنما وفق مصالحها القومية. ومن يطلب دعمها للوصول إلى الحكم، يضع نفسه منذ اللحظة الأولى في موقع المدين. والمدين لا يملك حرية القرار كاملة عندما يحين موعد السداد.

 

وهنا تبدأ المأساة.

 

فالوطن يتحول إلى ورقة تفاوض، والموانئ تصبح بنودًا في الاتفاقات، والذهب يصبح ثمنًا للتحالفات، والقرار الوطني يصبح رهينة لرضا العواصم الأجنبية. وحينها لا يعود السؤال: من يحكم السودان؟ بل: من يحكم من يحكم السودان؟

 

إن أخطر ما في “الكرازايات” أنهم لا يرون في الشعب مصدرًا للشرعية، بل يرونه مجرد جمهور ينتظر ما تقرره القوى الخارجية. فإذا تغيرت موازين القوى، غيروا شعاراتهم. وإذا تبدلت مصالح الداعمين، بدلوا تحالفاتهم. أما الثابت الوحيد فهو السعي إلى السلطة، ولو كان الطريق إليها معبدًا بإرادة الآخرين.

 

لقد دفع السودان وشعبه ، ومازال يدفع عبر تاريخه الحديث، أثمانًا باهظة للصراعات الداخلية، لكن التدخلات الخارجية لم تكن لتجد طريقها لولا أن بعض أبنائه فتحوا لها الأبواب. فما من دولة تستطيع فرض نفوذها على بلد يرفض أبناؤه أن يكونوا أدوات في مشاريعها.

 

ليس كل من يتعامل مع الخارج خائنًا؛ فالدبلوماسية جزء طبيعي من إدارة الدول، والتعاون الدولي ضرورة. لكن هناك فرقًا جوهريًا بين من يتفاوض باسم وطنه، ومن يتفاوض على وطنه. الأول يحمي السيادة، والثاني يجعلها بندًا قابلًا للمساومة.

 

إن السودان لا يحتاج إلى “كرزاي” جديد، ولا إلى نسخة سودانية من أي تجربة فاشلة استوردت السلطة واستوردت معها الوصاية. يحتاج إلى رجال دولة يعرفون أن الكرسي الذي تمنحه العواصم الأجنبية يمكن أن تسحبه في أي لحظة، أما الكرسي الذي يمنحه الشعب فلا يحميه إلا رضا الشعب.

 

إن معركة السودان الحقيقية ليست فقط ضد الحرب، ولا ضد الفقر، ولا ضد الانقسام، بل ضد عقلية سياسية أدمنت الاستقواء بالخارج، حتى أصبحت ترى الوطن جسرًا للمناصب، لا قضية تستحق التضحية.

 

ولذلك، فإن أخطر سؤال يجب أن يطرحه كل سوداني اليوم ليس: من سيحكم السودان؟ بل: باسم من سيحكم؟ ولحساب من؟

 

فإذا كان مفتاح السلطة في جيب الأجنبي، فلن يكون مفتاح السيادة في يد السودانيين.

 

ولهذا، فإن أخطر مشروع يواجه السودان ليس مشروع حزب أو جماعة، بل مشروع “الكرازايات”؛ أولئك الذين كلما عجزوا عن كسب ثقة الشعب، طرقوا أبواب الخارج، وكلما خسروا معركة السياسة في الداخل، حاولوا تعويضها بتدخل الأجنبي.

 

والتاريخ لا يرحم. فهو يذكر دائمًا أن الأوطان لا يسقطها أعداؤها وحدهم، بل يسقطها أيضًا أبناؤها عندما يقتنع بعضهم بأن الطريق إلى الحكم يمر من خارج حدودها.

وكما قال الشاعر نزار قباني ؛ :

 

“لم يدخل الأعداء من حدودنا، وإنما تسربوا كالنمل من عيوبنا.”

 

وبينما ينشغل البعض بتبادل الاتهامات وصناعة المنصات خارج حدود الوطن، يراقب الذين دفعوا ثمن هذه الحرب المشهد في صمت. أولئك الذين حملوا السلاح دفاعًا عن الأرض، والعرض وصمدوا في الميدان، وقدموا التضحيات وحررو هذه الارض الطاهرة من دنس مليشيا ال دقلو الإرهابية ، من أجل بقاء الدولة ووحدة الوطن، لا ينتظرون مكاسب سياسية ولا يبحثون عن منابر خارجية. ما يريدونه بسيط وواضح: أن يكون القرار سودانيًا، وأن يكون الحوار سودانيًا، يُعقد على أرض السودان، ومن منصة سودانية، وبين أبناء الوطن أنفسهم، احترامًا لتضحيات من دافعوا عنه، وإنصافًا لشعبٍ أنهكته الحرب ويتطلع إلى مستقبل يصنعه السودانيون بأيديهم، لا بإرادة الآخرين.

 

وبكل الوضوح والحب ..

 

الامام الصادق المهدي ، عاشَ وطنًا في قلوب الناس، وماتَ وطنًا خالدًا في الذاكرة. له الرحمة والمغفرة والرضوان. كان يردد في خطاباته ومقالاته، رغم الاعتقالات وكبت الحريات: «نرفض الاستقواء بالخارج، ونرفض الاستنصار بالأجنبي، ونؤمن بأن الحل يجب أن يكون سودانيًا خالصًا».

 

ولو كان بيننا اليوم، لكانت هذه كلماته ورسائله إلى كرازايات السودان.

فشتان بين من يجعل الوطن مبدأً، ومن يجعله وسيلة.

 

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: 118] صدق الله العظيم.

 

 

قد يعجبك ايضا