مطار الخرطوم يعود … ومسيرات حراق الروح قبل طلوع الروح
كابتن طيار عادل المفتي .. يكتب …
في بداية شهر مارس من العام عام ١٩٩١ م وبعد انتهاء حرب عاصفة الصحراء وتحرير الكويت ، وفي رحلة من جدة إلى الكويت، كنت أقود طائرة سعودية خاصة، وكانت تلك الرحلة أول طائرة مدنية تهبط في مطار الكويت بعد نهاية الحرب العراقية واحتلال الكويت ، بعد الحرب أيضا كنت أول سوداني يدخل الكويت في تلك المرحلة، حين كان السودان من ضمن تحالف دول الضد وتم منع دخول السودانيين وبعض الجنسيات الاخري من دخول الكويت .
كانت رحلة تاريخية بالنسبة لي بكل المقاييس.
عندما دخلت الطائرة الأجواء الكويتية، رأيت مشهدًا لم أعتد رؤيته في رحلاتي. دخان اسود كثيف يغطي سماء الكويت، وسحب سوداء ونيران مشتعلة في آبار البترول، والرؤية شبه معدومة. كان برج المراقبة وإدارة المجال الجوي الكويتي تحت قيادة وتنسيق القوات الأمريكية، وتم توجيهي إلى مدرج الهبوط وبدون اي اجهزة ملاحية مساعدة حتى لامست عجلات الطائرة مدرج المطار،
كنت مذهولًا مما أرى بين جانبي المدرج ،
اعتدت أن أرى في رحلاتي مناظر خلابة، وأرضًا خضراء، وأمطارًا هادئة وأجواءً جميلة، لكن هذه المرة كان المشهد مختلفًا تمامًا؛ عربات محترقة، وأسـلحة مدمرة، ومعدات متناثرة على جانبي المدرج. كل شيء كان يقول إن حربًا حقيقية مرت من هنا.
تم إرشادي إلى موقع الوقوف، وفي الطريق رأيت ما لا يمكن للعين أن تنساه. لم يكن هناك تقريبًا سوى آثار الدمار والخراب.
وبعد نزول الركاب ونزولي إلى أرض المطار، وجدت جسم الطائرة وقد غطاها السواد، وكانت المياه السوداء تسيل منها. عندها أدركت أن ما رأيته لم يكن مجرد دخان؛ لقد كان أثر حريق آبار البترول الذي غطى كل شيء.
لهذا السبب، وبعد مغادرتي الكويت، اضطررت إلى السفر إلى سويسرا لفحص الطائرة ومحركاتها، حرصًا على التأكد من أنها لم تتأثر بالغازات والدخان الناتج عن حرائق آبار النفط.
في زيارتي الاولي ، والطائرة تهبط مدرج مطار الخرطوم بعد الحرب، وانا انظر من النافذة تذكرت ذلك المشهد القديم.
وجدت أمامي دمارًا كبيرًا طال المعدات والطائرات الثابتة والمنشآت، ومشهدًا مؤلمًا يشبه في بعض تفاصيله ما رأيته في مطار الكويت بعد الحرب.
وهنا الفرق .. عندما عدت امس الاول ودخلت مطار الخرطوم زائرا هذه المرة رأيت شيئًا آخر أيضًا.
رأيت الإرادة.
رأيت رجالًا ونساءً قرروا أن يعيدوا المطار إلى الحياة. رأيت مؤسسات تعمل معًا، وشركات تضع معداتها تحت الطلب، وعاملين يعملون بنفس الوتيرة، وقيادة تتابع وتشجع، وفريقًا لا يتوقف أمام حجم الدمار.
ومن هنا بدأت أرى مطار الخرطوم بصورة مختلفة.
مطار الخرطوم الذي عاد من جديد، كما عاد مطار الكويت بعد الحرب.
وهذه ليست قصة مطار فقط، بل قصة إرادة وطنية، وتكاتف، وعمل جماعي يستحق أن يُروى.
البرهان.. قيادة تتابع وتشجع من الميدان
كان رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان يتابع عودة المطار بصورة مباشرة، من خلال زياراته المتكررة، للوقوف على سير العمل وتشجيع العاملين ومتابعة ما تحقق على أرض الواقع، حتى رأى المطار يعود إلى النور وتأكيدا للسلامة العامة كانت طائرة الرئيس أول طائرة تهبط في مطار الخرطوم بعد الحرب .
كما كان لرئيس الوزراء دور وجهد مقدر في دعم ومتابعة ملف عودة المطار، في تأكيد على أن إعادة تشغيله كانت قضية وطنية تحظى باهتمام القيادة.
إبراهيم جابر.. مفتاح الإنجاز
في قلب هذه المنظومة كان الفريق إبراهيم جابر، عضو مجلس السيادة ، الذي أول من لعب دورًا محوريًا في قيادة وتنسيق الجهود، وربط مختلف الجهات حول هدف واحد: وهو إعادة تشغيل مطار الخرطوم وقد كان .
وبجانبه كان الفريق سر الختم مدير شركة مطارات السودان القابضة، الذي كان أحد أهم محركات العمل من خلال المتابعة المستمرة والدفع بالجهود إلى الأمام.
أما إدارة المطار، فكان الأخ أيمن عفيفي، مدير مطار الخرطوم، والأخ حسن الهادي، مدير العمليات ، في قلب العمل، يتابعان التفاصيل ويعملان مع الجميع بنفس الوتيرة.
من صالة الحج والعمرة بدأت العودة
بدأت رحلة العودة من صالة الحج والعمرة، التي تعمل الآن، وكانت نقطة مهمة في إعادة تشغيل المطار.
وتواصلت الجهود بعد ذلك حتى أصبحت صالة المغادرة القديمة قريبة جدًا من استعادة نورها والعودة إلى العمل، بما يفتح الباب أمام توسع أكبر في حركة السفر.
والأهم أن العمل لم يتوقف عند التشغيل الحالي؛ فهناك رؤية لاستعادة المطار كاملًا ورفع قدرته التشغيلية تدريجيًا.
الجميع يعمل.. والجميع يقول: ماذا تريدون؟
ربما تكون أجمل صور هذه الملحمة أن الجميع عمل بالوتيرة نفسها.
الفاتح شرفي، ممثل شركة ناس بورت لخدمات المناولة الأرضية وغيرهم من شركاء الصناعة، قدموا نماذج تستحق التقدير.
هناك من كان يقود الفوركلفت، ومن ينظف المطار، ومن يقود الجرار، ومن يُستدعى من منزله فيجد نفسه أمام المطار لتلبية احتياجات العمل.
كما قدمت زين وسوداني الدعم المطلوب، بينما وفرت شركة التعدين ماكينة طباعة للبطاقات.
والجهات العسكرية، وعلى رأسها سلاح المهندسين، وضعت معداتها وإمكاناتها تحت طلب العمل.
لم يكن السؤال: ماذا سنستفيد؟
كان السؤال ببساطة:
ماذا تريدون؟
وهذه هي روح السودان التي نحتاج إليها.
العمل مستمر في التارمك
تواصل شركة الموانئ الهندسية أعمالها داخل المطار، بمعداتها الموجودة في الموقع لصيانة المدرج والتارمك.
تمت معالجة 36 حفرة في المدرج، وما زالت أعمال المعالجة والصيانة مستمرة في التارمك كما توجد 7 استاندات جاهزة للتشغيل.
وهذا يعني أن عودة المطار ليست نهاية العمل، وإنما بداية مرحلة جديدة من التأهيل والتطوير.
الخرطوم تعود إلى العالم
الرحلات الدولية تعمل الآن من مطار الخرطوم عبر الشركات المحلية، ومع اكتمال المزيد من أعمال التأهيل، تقترب الشركات الأجنبية من استئناف رحلاتها من مطار الخرطوم.
وهنا يصبح المطار أكثر من مجرد منشأة للطيران.
إنه بوابة عودة الخرطوم إلى العالم، ونافذة لعودة الحركة الاقتصادية والتجارية والاجتماعية إلى العاصمة.
لقد دمرت الحرب أجزاء كبيرة من وسط الخرطوم ومرافقها، لكن ما يحدث في المطار يثبت أن إعادة البناء ممكنة عندما تتوافر الإرادة وتتكاتف الجهود.
587 رحلة و54,233 راكبًا
خلال شهر واحد، سجل مطار الخرطوم 587 رحلة و54,233 راكبًا.
وراء هذه الأرقام آلاف الساعات من العمل، والتنسيق، والصيانة، والجهد الذي بذله العسكريون والمدنيون والمهندسون والفنيون والعمال وشركاء القطاع الخاص.
إنجاز كبير في ظروف بالغة الصعوبة.
من مطار الخرطوم إلى كل السودان
ما حدث في مطار الخرطوم يجب ألا يبقى تجربة منفردة.
نحن بحاجة إلى أن تنتقل روح العمل الجماعي نفسها إلى كل المرافق العامة التي تحتاج إلى الترميم والتعمير.
إذا استطاع الجميع أن يعملوا معًا حتى عاد مطار الخرطوم إلى النور، فيمكن بالروح نفسها أن نعيد بناء الموانئ والمطارات والطرق والكباري والمؤسسات والمنشآت الخدمية في كل السودان.
نريد أن يعود الجميع إلى الخرطوم.
نريد أن تبدأ العاصمة من جديد.
ونريد أن يكون هذا التكاتف بداية لمرحلة جديدة من البناء، بروح وطنية سودانية خالصة، لا مكان فيها إلا للعمل من أجل السودان.
عندما رأيت مطار الكويت بعد الحرب، رأيت الخراب، ثم رأيته يعود إلى الحياة.
واليوم، عندما أنظر إلى مطار الخرطوم، أرى المشهد نفسه يتكرر.
من بين الدمار يولد الأمل، ومن بين الركام تبدأ العودة، ومن إرادة الرجال تصنع المدن نهضتها.
مطار الخرطوم عاد إلى النور.
وبصراحة شديدة وبالبلدي .. اقول للمليشيا ومن ساندها
عودة الخرطوم وعودة مطار الخرطوم والانتصارات المتواصلة للجيش السوداني والانشقاقات التي ضربت المليشيا في مقتل كلها جابت لينا اليومين ديل الهوا ؛
الخرطوم عادت وستعود اجمل وأفضل وسنسعى مع الجميع لتعميرها وقاعدين فيها بمزااااج ومتعشين امس في فول الهجرة رغم انف المحبطين .
واقول ليهم :
دي مسيرات حراق الروح .. قبل طلوع الروح …
قال تعالي :
﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾
صدق الله العظيم