حوار مولانا أحمد هارون
عزمي عبد الرازق يكتب…
قبل نحو شهر، جمعني لقاء مطول بمولانا أحمد هارون. كان لقاءً استثنائياً، طرحتُ عليه العديد من الأسئلة، بما فيها تلك المفخخة والأكثر حساسية. وعلى غير المتوقع، لم يلجأ الرجل إلى الدبلوماسية المفرطة للتهرب، تحدث بشفافية ولم يتحفظ على شيء.
ما لفت انتباهي حقاً هو التطور اللافت في رؤيته للأحداث، فقد بدا عميق الثقافة، ينتقي مفرداته بحرفية سياسية عالية، وبحذاقة لا متناهية، يمتلك قدرة فذة على تفكيك الأسئلة المعقدة والإجابة عليها دون الانزلاق في وحل السياسة، ودون أن يمنح محاوره سبقاً صحفياً مجانياً أو إثارة عابرة، كان ساعتها يزن كل كلمة تخرج منه بميزان الذهب، وأحياناً أدق من ذلك.
بدا شجاعاً متزناً، ينأى بنفسه عن التهور، ويقف بثبات وهدوء في عين العاصفة. تشعر وأنت تستمع إليه أنه تجاوز الأطر الضيقة، وأصبح شخصية أكبر من أن يستوعبها كيان حزبي واحد، كما أن قراءته للحرب ومألاتها وأبعادها مختلفة، متجاوزاً اللحظة الراهنة ليطرح تصورات عميقة لمستقبل البلاد.
ورغم كل هذا الزخم، لا يبدو الرجل متلهفاً للقفز إلى سدة السلطة، عنده قناعة_ حتى وإن اختلفت معه فيها_ فهو يعتقد أنه متى ما تهيأت السبل لتجربة ديمقراطية حقيقية، فإن الإرادة الجماهيرية ستكون كفيلة بعودتهم، لكنه لا يريد ذلك، تقريباً ومما استشفيته من حديثه، أن يفضل العمل الجماعي، والاصطفاف إلى جانب القوى الوطنية، وحتى العلاقة مع الجيش في هذه المرحلة، فهى بالنسبة له قدرية، أو بالأحرى أقرب إلى خلاصات الراحل الدكتور التجاني عيد القادر “تحالف الخندق والمختبر” لعبور مرحلة الخطر، وإعادة ترميم المكان، سمه الوطن، وبعدها فليتنافس المتنافسون، وفي الوقت نفسه لم تعد الصراعات الحزبية أو الخلافات التنظيمية تؤرقه، ينظر إليها كجزء من التدافع السياسي الإيجابي.
احتفظتُ بتفاصيل ذلك اللقاء لنفسي، ولم أنشر منه حرفاً واحداً لغياب الإذن المسبق، ولإدراكي التام بأن لرجل بحجمه وتجربته تقديرات دقيقة لتوقيت ومكان ظهوره الإعلامي. وبالفعل، صدق ظني حين اختار مؤخراً “بودكاست السودان”، وتحديداً مع الصديق ربعي سراج، ليطل من خلاله على الرأي العام، ويشرّع أبواب خزانة أسراره، ويقول كلمته للتاريخ، في هذه اللحظة المفصلية، لماذا: لا أعرف. ولكنني أعتقد بأنه سؤال قمين بالإجابة أو التأمل، لماذا قرر الظهور الأن وفجأة وبلا مناسبة؟