كابتن طيار / عادل المفتي يكتب : انسياق حزب الأمة القومي نحو خط العلمانية.. تساؤلات مشروعة وموقف يحتاج إلى مراجعة
شئنا أم أبينا، ظل حزب الأمة القومي، وسيظل، منذ تأسيسه، أحد أبرز الأحزاب السياسية ذات الخلفية الإسلامية في السودان، مستندًا إلى إرث فكري وسياسي ارتبط بقيم الأمة السودانية وتاريخها الديني والثقافي. وعلى امتداد عقود طويلة، حافظ الحزب على موقف واضح تجاه قضية العلاقة بين الدين والدولة، رافضًا حسم هذا الخلاف عبر الاتفاقات الثنائية أو التحالفات السياسية المؤقتة، ومؤكدًا أن مكان مناقشته والفصل فيه هو المؤتمر الدستوري القومي الذي يشارك فيه جميع السودانيين.
وخلال المراحل المختلفة من تاريخ الحزب، وفي عهد قيادة الإمام الصادق المهدي، رحمه الله وغفر له، ظل هذا المبدأ حاضرًا بقوة في الخطاب السياسي والممارسة العملية. فقد تمسك الحزب بموقف واضح لا لبس فيه، وظل الإمام الصادق المهدي مناضلًا عن هذا النهج بحكمة وثبات حتى رحيله. لذلك لم يكن من السهل على أي جهة سياسية أن تفرض على الحزب نصوصًا أو مواثيق تتبنى فصل الدين عن الدولة أو العلمانية بصيغتها المتداولة. وكان موقف الحزب المعلن أن هذه القضية ليست شأنًا يخص حزبًا بعينه أو تحالفًا سياسيًا محدودًا، وإنما قضية وطنية كبرى تتعلق بهوية الدولة ومستقبلها، ويجب أن يقرر فيها الشعب السوداني عبر توافق دستوري شامل.
غير أن المتابع لمسار الحزب في السنوات الأخيرة يلحظ تغيرًا يثير كثيرًا من التساؤلات والقلق وسط قواعده وأنصاره. فبينما تصدر بين الحين والآخر بيانات تؤكد تمسك الحزب بثوابته أو تفسر بعض المواقف المثيرة للجدل، فإن هذه البيانات لا تبدو كافية لإزالة الشكوك حول اتجاهات بعض القيادات أو المشاركين في اللقاءات والتحالفات السياسية المختلفة.
إن المشكلة لا تكمن فقط في صدور نصوص أو مسودات تتضمن إشارات مباشرة أو غير مباشرة إلى العلمانية، وإنما أيضًا في القبول بالبقاء داخل أطر سياسية أو تحالفات تسمح بتمرير مثل هذه المفاهيم دون موقف حازم وواضح. فحين يُطرح موضوع بهذه الحساسية والأهمية، لا يكفي تجاهله أو تأجيل النقاش حوله، بل ينبغي إعلان الموقف بوضوح إذا تم تضمينه بصورة تتعارض مع المبادئ التي ظل الحزب يعلن التزامه بها.
لقد كان موقف حزب الأمة القومي التاريخي يقوم على قاعدة واضحة: إذا ظهر خلاف حول قضايا الهوية والدستور والعلاقة بين الدين والدولة، فإن مكان حسمه هو المؤتمر الدستوري الجامع، لا الاجتماعات الجانبية أو التفاهمات المحدودة بين النخب السياسية. ومن ثم فإن أي محاولة لتمرير هذه القضايا عبر التحالفات المرحلية تمثل تجاوزًا لإرادة الشعب السوداني، وتهميشًا لحقه في تقرير مصيره الدستوري.
كما أن ضعف بعض المفاوضين أو السعي إلى إرضاء أطراف سياسية بعينها لا يمكن أن يكون مبررًا للتنازل عن المبادئ أو التغاضي عن القضايا الجوهرية. فإذا أصر بعض الشركاء السياسيين على تضمين العلمانية أو أي صيغة مشابهة في الاتفاقات والمواثيق، فإن الموقف الطبيعي والمتسق مع تاريخ الحزب هو الانسحاب من تلك التفاهمات، لا البحث عن صيغ لغوية رمادية أو تبريرات لاحقة.
ولا يوجد ما يفرض على حزب الأمة القومي أو على الشعب السوداني قبول تصورات دستورية أو فكرية لا تحظى بإجماع وطني أو حزبي. فالسياسة تقوم على الحوار والتوافق، لا على الإملاء والفرض. ومن حق أي حزب أن يتمسك بمبادئه، كما من حق الآخرين أن يطرحوا رؤاهم، لكن الحسم النهائي في القضايا المصيرية يجب أن يكون عبر الإرادة الشعبية الحرة والمؤسسات الدستورية المتفق عليها.
وفي الماضي القريب، شهد الحزب مواقف وقيادات اختارت الاصطفاف مع قوات الدعم السريع وتبنت مواقف مختلفة في هذه القضايا، وقد حسمت خياراتها السياسية والفكرية وتحملت مسؤولية ذلك أمام التاريخ والرأي العام. أما المطلوب اليوم من القيادة الحالية لحزب الأمة القومي فهو تقديم موقف واضح لا يحتمل التأويل، يعيد التأكيد على الثوابت التي عُرف بها الحزب تاريخيًا، ويبدد مخاوف قواعده وجماهيره. فالأحزاب الكبيرة لا تُقاس فقط بما تصدره من بيانات، وإنما بقدرتها على ترجمة مبادئها إلى مواقف عملية في لحظات الاختبار الحقيقية.
ويبقى السؤال مطروحًا: هل ما نشهده مجرد اجتهادات سياسية ظرفية يمكن تصحيحها، أم أنه تحول فكري وسياسي أعمق يحتاج إلى مراجعة ومحاسبة داخل مؤسسات الحزب؟
في اعتقادي أن القيادات الحالية قد أُتيحت لها الفرصة الكافية، وأن تجديد القيادات وعقد المؤتمر العام يمثلان الطريق التنظيمي الأمثل لاستعادة الحيوية وتجديد الرؤية. فإما أن يتجدد الحزب ويستعيد دوره التاريخي، وإما أن يتعرض لمزيد من التراجع والتبدد.
ويبقى الرجوع إلى الله تعالى واستباق الخيرات هو المرجع الذي نحتكم إليه جميعًا فيما نختلف فيه من أمور الدنيا الزائلة.
قال تعالى:
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
إن الأمة في حاجة إلى رجال يثبتون على المبادئ، ولا يخشون في الحق لومة لائم، ولا يخافون إلا الله.
وقال تعالى:
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه )
رحم الله الإمام الشهيد الإمام الهادي المهدي الذي بذل النفس في سبيل ذلك ورحم الله الحقاني الإمام الصادق المهدي، الذي ناضل ودافع عن الحق حتي لقي الله ورحم كل من تمسك بمبادئهم عن قناعة
وإخلاص .
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾
عادل المفتي
٣١ مايو ٢٠٢٦م